97أمّا فلسفة الإمام علي للحج و «الهرولة حول هذا البيت» فكانت أكثر إبلاغاً وأفصح إيجازاً وأجلىٰ بياناً، وكان ممّا قاله - سلام اللّٰه عليه - في هذا السياق:
«ألا ترون أنّ اللّٰه سبحانه اختبر الأوّلين من لدن آدم - صلوات اللّٰه عليه - إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضرّ ولا تنفع ولا تُبصر ولا تسمع، فجعلها بيته الحرام الذي جعله للناس قياماً، ثمّ وضعه بأوعر بقاع الأرض حجراً، وأقلّ نتائف الدنيا مدراً، وأضيق بطون الأودية قطراً، بين جبال خشنة ورمال دمثة، وعيون وشلة، وقرًى منقطعة، لا يزكو بها خفّ ولا حافر ولا ظلف، ثمّ أمر سبحانه آدم وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه، فصار مثابةً لمنتجع أسفارهم، وغاية لملقىٰ رحالهم، تهوي إليه ثمار الأفئدة من مفاوز قفار سحيقة ومهاوي فجاج عميقة، وجزائر بحار منقطعة، حتّىٰ يهزوا مناكبهم ذللاً، يهلّلون للّٰهحوله، ويرملون على أقدامهم شعثاً غبراً له، قد نبذوا السرابيل وراء ظهورهم، وشوّهوا بإعفاء الشعور محاسن خلقهم، ابتلاءً عظيماً، وامتحاناً شديداً، واختباراً مبيناً، وتمحيصاً بليغاً، جعله اللّٰه سبباً لرحمته، ووُصلةً إلى جنته» .
بعدها يبيّن أمير المؤمنين السرّ وراء ذلك الاختيار الإلٰهي لهذا المكان المقفر وعدم اختياره لمكان مورق مشجر، فيقول - عليه أفضل الصلاة وأتمّ السلام -:
«ولو أراد سبحانه أن يضع بيته الحرام ومشاعره العظام، بين جنّاتٍ وأنهار، وسهل وقرار، جمّ الأشجار، داني الثمار، ملتفّ البنىٰ، متّصل القرىٰ، بين بُرّة سمراء، وروضة خضراء، وأرياف محدقة، وعراص مغدقة، وزروع ناضرة، وطرق عامرة؛ لكان قد صغُر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء» .
أي أنّ التكامل الإنساني يأتي عبر الاختبار الشديد والابتلاء الأشدّ، وفي مواطن التضحية والعطاء وليس في محطّات الترف والرخاء، فيواصل سلام اللّٰه عليه تفسيره مستأنفاً:
«ولو كان الأساس المحمول عليها،