348النفسالبشرية منهذهالرعوية والهمجية والغوغائية، والتي هي كما يسمّيها طبيعة حيوانية غير مهذّبة فيقول:
«وشخّص عليّ تشخيصاً فذّاً تلك المجاميع من الجماهير، التي هي من طراز الهمج الرعاع، وهي مجاميع لا تشكِّل جوهر المجتمع، وليست هي الجماهير بتمامها بل هي شرائح اجتماعية رهينة شروطها الفكرية الذاتية وبنت التخلّف الطويل المقيم. . وأولئك الهمج الرعاع أعداء كلّ تقدّم، وتطوّر، واستقرار، وهم يعاكسون إرادة الحقّ، ومسار العلم، واتجاه العدل، ويعطون الشرعية التهريجية للظالمين، فهم خدمهم الذين يُنفِّذون إرادتهم الطغيانية، وهم لا مانع لديهم من استبدال سلطان بآخر، فهم مع الأقوى والمنتصِر. وكان عليّ في رؤيته متنبئاً بما سيحمله (الشرق) من كوارث سياسية، سببها الصراعات الدامية حول السلطة، ودور الهمج الرعاع في تأجيجها وفي دفعها إلى الثورة. . .» 1.
هؤلاء الهمج الرعاع الذين ينعقون مع كلّ ناعق ويميلون مع كلّ ريح والذين لا ينصرون حقّاً ولا يخذلون باطلاً ويحدّدون مواقفهم (مع مَنْ غلب) كما يقول التاريخ هم الذين ملأوا قلب الإمام علي قيحاً وشحنوا صدره غيضاً. . والأسوأ منهم هم أعوان الظلمة وحواشيهم وبطانتهم من الذين تنقل الروايات أنّ منادي يوم القيامة يعلو صوته منادياً: «أين أعوان الظلمة قبل الظلمة» باعتبارهم أذرع السلطان وأدواته التنفيذية الذين مكّنوا الظالم وحكّموه وتحكّموا به. . .
هذا التشخيص الواعي للإمام علي بن أبي طالب (سلام اللّٰه عليه) هو الذي جرّعه ألوان الغصص، فلا هو قادرٌ على مجاراة الهمج الرعاع أو مسايرتهم في أهوائهم وأطماعهم، ولا هو قادر عن التخلّي عنهم وهو المسؤول عن تربيتهم وتأديبهم. . . فلا هم أطاعوه ليرتاح من زجرهم وتقريعهم ولا فهموه لكي يستقرّ على قرار. . . فبقي حياته كلّها مقارعاً مستغيثاً نادباً حظّه وحظّهم إذْ ابتُلي بهم وابتلوا به كما يقول عليه السلام وحيث أرادهم لدينه وأرادوه لدنياهم، وشتّان بين الإرادتين. . .