268المعمارية القديمة وجهود الفنّانين في تلك العصور، والعلم بالحضارات والثقافات الفانية التي أحدثتها الملل السابقة، وقد يكون الهدف من السياحة نفس السياحة، وليس شيئاً آخر؛ وحينئذٍ لا يوجد أي باعث معنوي لتلك السياحة ولذاك النظر.
نعم، قلّما يتّفق إثارة الباعث المعنوي، كأن يكون الزائر من الأشخاص الذين لا ينظرون إلى الظاهر فقط، بل يتوجّهون إلى المعنى والباطن، وفي أثر هذا يدّخرون الحسنات ليوم المعاد.
ثمّ إنّه ليس للنظر ثواب ورحمة إلّا في بعض الأشياء، كالنظر إلى وجه العالم، ونظر الولد إلى وجه والديه و. . . ، وأما النظر إلى الكعبة الشريفة، فله ثواب أكثر لم يرد في الأحاديث مثله.
إنّ ساحة المسجد الحرام مملوءة بالرحمات الكثيرة، ولا يمكن الحصول على هذه الخيرات إلّافي هذا المكان المقدّس، فالزائر لبيت اللّٰه الحرام والمتواجد فيه، لا يخرج من هذه الحالات الثلاث:
إمّا أن يكون طائفاً، وإمّا أن يكون مصلّياً، وإمّا أن يكون ناظراً.
فأمّا الطائف، تنزل لصالحه ستّون رحمة.
وأمّا المصلّي، فتنزل لصالحه أربعون رحمة.
وأمّا الناظر - سواء أكان جالساً في المسجد أو قائماً - عندما ينظر إلى بيت اللّٰه الحرام، فتنزل لصالحه عشرون رحمة.
وأنت ترىٰ ما أنتج هذا السفر الإلهي من المعنويات والآثار المقدّسة، فهل يمكن استنزال الرحمة في سائر الأماكن كاستنزالها في بيت اللّٰه الحرام؟
فالسير إلى ديار الوحي، والنفر من الأهل والولدان، للحضور في بلد اللّٰه الآمن الذي سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ. . . ، ليس إلّالباعث معنوي قوي؛ وهو النظر إلى الكعبة، وآيات اللّٰه البيّنات، والتوجّه إلى وسمات العبودية للّٰهسبحانه وتعالىٰ، وقطع العلاقات عن كلّ شيء وعن كلّ شخص وحتى عن نفسه.
وفي هذه الساحة المباركة - المسجد