254وأوّل بادرة للاستشارة حينما أراد عمر بن الخطّاب التفرّغ لتسيير حركة الدولة وحركة المسلمين استشار الصحابة في حقّه في بيت المال، فاختلفت أقوالهم، فقال: ما تقول يا عليّ؟ فقال: «ما أصلحك وأصلح عيالك بالمعروف، ليس لك من هذا المال غيره» فقال الصحابة: القول قول ابن أبي طالب (28) .
وقدم علىٰ عمر مال فيه مجوهرات وذهب وفضّة، فاستشار الصحابة فقال الإمام عليه السلام: «لم يجعل اللّٰه علمك جهلاً ويقينك شكّاً، إنّه ليس لك من الدُّنيا إلّاما أعطيت فأمضيت أو لبست فأبليت أو أكلت فأفنيت، وإنّك إن تبعته علىٰ هذا اليوم لم تعدم في غدٍ من يستحقّ به ما ليس له» فقال عمر: صدقتني ونصحتني (29) .
وشاور عمر الصحابة في سواد الكوفة، فقالوا له: تقسمها بيننا، فشاور الإمام عليه السلام فقال: «إن قسّمتها اليوم لم يكن لمن يجيء بعدنا شيء، ولكن تقرّها في أيديهم يعملونها، فتكون لنا ولمن بعدنا» .
فقال عمر: «وفّقك اللّٰه هذا الرأي» (30) .
وكان عمر متردّداً في خزائن بيت اللّٰه وما فيها من أموال وسلاح، أيتركها أم يوزّعها فقال له الإمام عليه السلام: «. . . لست بصاحبه، إنّما صاحبه منّا شاب من قريش يقسمه في سبيل اللّٰه في آخر الزمان» (31) .
وحينما وضع عمر الدواوين وفرّق بين المسلمين بالعطاء على أساس السبق في الايمان والهجرة، فقدّم المهاجرين على الأنصار، والأنصار علىٰ مسلمي الفتح، ومسلمي الفتح على المتأخّرين إسلاماً، لم يعترض الإمام عليه السلام علىٰ طريقة التوزيع، وإن كان قد ساوىٰ في العطاء في وقت خلافته كما يذكر جميع المؤرّخين، فقد يكون مراعياً للظروف الموضوعية في ذلك، أو عدم رغبته في مخالفة الخليفة أو الصحابة، أو انّ اسلوب التداول والعطاء من صلاحيات الخليفة في حدود المصلحة العامّة ولا محذور شرعي فيه، وعلى العموم فإنّ الإمام عليه السلام لم يعترض على طريقة التوزيع، ولم يخالف رأي عمر في حينه.