156المدينة المنورة، وجماهير الثوّار من العراق ومصر أصرّوا على استخلافه عليهم، فنزل الإمام عند رغبتهم، ولكن وفقاً لشروطه الخاصّة هو:
«واعلموا أنّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أُصغِ إلىٰ قول القائل وعبث العابث» (76) .
حتىٰ إذا قام بالأمر وأراد إرجاع الحقّ إلىٰ نصابه، تألّب عليه الكثيرون من الساعين وراء مصالحهم الشخصية، ومنهم الزبير وطلحة، مختلقين الأعذار الواهية. فحارب الناكثين من أصحاب الجمل في البصرة، ثمّ حارب القاسطين من أصحاب معاوية في صفّين، ثمّ حارب المارقين من الخوارج في النهروان، يبغي تطهير المجتمع الإسلامي من الفتن. . والنفوس المريضة (77) .
وفي خطبته الشقشقية أشار إلى التحدّيات الكبرى التي واجهته، وحدّد بدقّه حقيقة منطلقاتها: «فلمّا نهضتُ بالأمر نكثت طائفة، ومرقت أُخرىٰ، وقسط آخرون [ يشير بذلك عليه السلام إلى أصحاب الجمل (وهم الناكثون) وإلى أصحاب النهروان الخوارج (وهم المارقون) وإلى أصحاب صفّين (وهم القاسطون) ] . كأنّهم لم يسمعوا كلام اللّٰه سبحانه حيث يقول: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ . بلىٰ واللّٰه لقد سمعوها ووعوها، ولكنّهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها (أي زينتها)» (78) .
هنا وقفة مقتضبة أمام ثلاث جبهات تباينت في شعاراتها ولكنّها اتّفقت علىٰ مناوأة الإمام عليه السلام، وفي كلّ مرّه، كان الموقف من قبل الإمام عليه السلام والتعاطي مع هؤلاء منسجماً واضحاً وصادراً من موقف شرعي محدّد.
مع الناكثين
على الرغم من أنّ طلحة والزبير كانا من أشدّ الناقمين علىٰ سياسة عثمان، ومع أنّهما سبقا الناس في البيعة للإمام علي عليه السلام بعد قتل عثمان، فإنّ الحركة الإصلاحية التي قادها الإمام عليه السلام في الحياة الإسلامية لم تجد هوى في نفسيهما (79) فبدآ في العمل للخروج على الإمام عليه السلام وإثارة المسلمين عليه (80)