155أبو بكر في لحظات احتضاره، إلّاأنّ الإمام عليّاً ترك من تخلّف عنه وشأنه ولم يرغمه في شيء لم يكن مقتنعاً به، حتىٰ ندم النادمون في لحظة فوات الأوان، مع أنّ أحاديث البيعة والسمع والطاعة للأمير البرّ والفاجر كانت من السِمات المعروفة عن عبداللّٰه بن عمر، ممّا يوحي بأنّ موقفه كان سياسياً وليس نابعاً من شبهات حالت بينه وبين أن يساوي بين علي في سنة 36هجرية وبين يزيد بن معاوية في سنة 60 هجرية، واحتفظ المتخلّفون بكامل حقوقهم في دولة عليّ، بينما لم يؤدّوا واجباتهم المفترضة، وعلىٰ رأسها القبول بالرئيس الأعلىٰ للدولة الإسلامية.
لقد كان مفهوماً أنّ عليّاً يمنح بذلك معارضيه فرصة التعبير عن مواقفهم، ويبيّن ما أشكل عليهم معرفته وفهمه، والدوافع التي كانت تقودهم إلى تبنّي تلك المواقف، ولم يحجر على أحد أو يقطع عطاء أحد من بيت المال.
ويتكرّر الموقف نفسه مع أهالي «صرنا» في مصر حين امتنعوا عن بيعته، بكلّ ما يعنيه ذلك من تمرّد ورفض لسلطة زعيم الدولة الذي اختاره المسلمون ومن بينهم زعماء المصريين أنفسهم الذين شاركوا في الثورة علىٰ عثمان (74) .
ومن الواضح أنّ خلافة الإمام علي عليه السلام جاءت في ظروف بالغة الخطورة والتعقيد، فذووا النفوذ من الناس قد ألفوا الاستئثار واستراحوا إليه، وليس يسيراً أبداً أن يذعنوا لأيّة محاولة إصلاحية تضرّ بمصالحهم الذاتية.
ثمّ إنّ المطامع قد تنبّهت لدى الكثير من الرجال، بعد أن أصبحت الخلافة مغنماً لا مسؤولية لحماية الشريعة والأمّة. ولقد كان الإمام عليه السلام مدركاً لحقيقة الموقف بدقائقه وخفاياه بشكل جعله يعتذر عن قبول الخلافة حين أجمعت الأمّة علىٰ بيعته بعد مقتل الخليفة عثمان قائلاً: «دعوني والتمسوا غيري فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول، وأنّ الآفاق قد أنماحت والمحجة تنكّرت. .» (75) . ولكن جماهير