148كان أوّل خليفة يترك عند مماته ثروة طائلة، فيحصون له يوم مقتله «عند خازنه من المال خمسين ومائة ألف دينار، وألف ألف درهم» وذلك غير قيمة ضياعه بوادي القرىٰ وحنين، تلك التي قدّرت بمبلغ مائة ألف دينار، هذا عدا الخيل والإبل وغيرها من الممتلكات والمقتنيات (52) .
ويمضي عثمان بعيداً في سياسته هذه المصحوبة بإغداق المنح والأموال على بني عمومته الذين أطلق لهم العنان ليعيثوا في الأرض فساداً وعتوّاً. . فيما يحرم الصحابة ويضرب بعضهم على مشهد من الملإ ضرب إهانة وإيجاع (53) ، وليوسّع دائرة تبرّمه من الأمّة نفسها، دونما مبرّر سوىٰ ضيق الصدر. إذ روي عن عبيد بن حارثة قوله: «سمعت عثمان وهو يخطب، فأكبّ الناس حوله، فقال:
اجلسوا يا أعداء اللّٰه! فصاح به طلحة:
انّهم ليسوا بأعداء اللّٰه؛ لكنّهم عباده، وقد قرأوا كتابه» (54) .
فهذا يعني - فيما يعني - أنّ هناك حاجزاً نفسيّاً خطيراً بين الراعي ورعيته. وتحوّل الحاجز النفسي هذا إلى عقدة مستحكمة من عدم الثقة المتبادلة بين الطرفين، حاول عثمان أن يردمها أو يعوّضها بالارتماء أكثر فأكثر في أحضان الشلّة الفاسدة من بني عمومته، كلّ ذلك انعكس بشكل سلبي على مجمل الأوضاع، الأمر الذي أوجد مناخاً اجتماعياً ونفسيّاً «ولّد وشهد العديد من التناقضات والصراعات» (55) .
ولقد كان صوت علي بن أبي طالب في مقدّمة الأصوات التي ارتفعت بالنقد والمعارضة لهذه التغييرات الاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على المجتمع العربي الإسلامي على عهد عثمان بن عفّان. . بل لا نغالي - يقول د. محمد عمارة - إذا قلنا: إنّ صوت معارضته ونقده كان أعلى هذه الأصوات (56) .
ولمّا لم تجد نصائح الإمام علي عليه السلام أذناً صاغية من عثمان، رغم أنّه بذل ما في الوسع لتقديم النصيحة. . فقد اعتزل عثمان بعدما ألقىٰ عليه الحجّة تلو الأخرىٰ. ووصل الأمر إلى امتناع الإمام علي عليه السلام عن الاستشفاع بالبعض إلى عثمان، إذ روىٰ سفيان بن عيينة