129يكن الإمام علي عليه السلام طارئاً أو هامشياً، «فقد كان عليه السلام على تمام الأهبة لولاية الحكم، كان قد خبر المجتمع الإسلامي في أقطاره، وخالط كافّة طبقاته، وراقب حياتها عن كثب، ونفذ إلى أعماقها، وتعرّف على الوجدان الطبقي الذي يشدّها ويجمعها.
وقد مكّنه من ذلك كلّه المركز الفريد الذي كان يتمتّع به من النبي صلى الله عليه و آله، فهو وزيره ونجيبه، وأمين سرّه، وقائد جيوشه، ومنفِّذ خططه، ومعلن بلاغاته. . هذه المنزلة الفريدة التي لم يكن أحد من الصحابة يتمتّع بها أعدّته إعداداً تامّاً لمهمّة الحكم.
وقد كان النبيّ يبتغي من وراء إناطة هذه المهام كلّها به إعداده للمنصب الإسلامي، ليصل إليه وهو على أتمّ ما يكون أهليّة واستعداداً.
ولقد غدا من نافلة القول أن يُقال:
«إنّه عليه السلام هو الخليفة الذي كان يجب أن يلي حكومة النبيّ في المجتمع الإسلامي.
وإذا لم يُقدّر له أن يصل إلى الحكم بعد النبي فإنّه لم ينقطع عن الحياة العامّة، بل ساهم فيها مساهمة خصبة» (9) ، وإنّ فسحة الربع قرن التي مرّت على علي ابن أبي طالب، منذ رحيل الرسول حتّىٰ تسلّمه الخلافة «لم تكن بالفسحة البسيطة، لا بطول مداها ولا بقيمة الأحداث التي مرّت عليها. وهي وإنْ تكن تعتبر فراغاً بالنسبة لعدم تحمّله فيها أيّة مسؤولية إدارية، فإنّها بالحقيقة كانت فراغاً يمتلأ. وليس يفهم من كلمة «فراغ» أن ابن أبي طالب غاب في هذا الوقت الطويل عن الساحة، بل بالعكس، كان فيها ملء السمع والبصر، غير أنّه كان يحتلّ فيها برج المراقبة» (10) ، فقد كان أبو بكر ثمّ عمر ومن بعدهما عثمان لا يسعهم الاستغناء عن آرائه في السياسة والقضاء والحرب، وخاصّة في خلافة عثمان فقد كان فيها على أتمّ الصلة بالتيّارات التي تمخر المجتمع الإسلامي، لكن عثمان لم ينتفع كثيراً بالتوجيه الذي كان الإمام يقدّمه إليه لأنّ بطانة متعفّنة كانت تحيط بهذا الخليفة (11) .
ورغم ما لقيه من جحود وإقصاء وتهميش، من لدن العقلية الحاكمة فإنّه لم يقابل ذلك بالمثل، وإنّما كان ينطلق،