187
فالين: الاعداد والتحويل
أما المهمّة السريّة الغامضة الثانية فكان بطلها الرحالة الفنلندي «جورج أوغست فالين» 1. وكان هذا يُحسن التحدّث باللغة العربية بطلاقة، وقد أصبح فيما بعد استاذاً للعربية في جامعة هلسنكي. ويُقال: إنه عمل جاسوساً لمحمد علي باشا في شمال نجد.
«والحقيقة أنّ قصّة هؤلاء الرحالة. . تظلّ دائماً والى الأبد من القصص المدهشة المثيرة، في الوقت نفسه الذي بقيت فيه سياسة مصر العثمانية الهاجس والمحرّك الأول لأولئك الأشخاص المختصّين» 2.
ولكي نكون أمام مهمة فالين السريّة، بشكل أكثر وضوحاً، لابدّ من التدرج التاريخي لسيرته، وطريقة إعداده الخاصة. إذ ولد في جزائر آلاند، غربي فنلندا، وتعلّم في جامعتها، وهو في الثامنة عشرة من العمر، وبدأ يدرس اللغات الشرقية موضوعاً أساسياً، وقد خصّص كثيراً من وقته وطاقته للألعاب المختلفة وللموسيقىٰ، لكنه أيضاً حقّق نجاحاً كبيراً في دراساته. وبصرف النظر عن دراساته الأكاديمية البحتة فقد اكتسب بنفسه معرفة عملية فعالة في لغات عديدة. وكانت اللغة السويدية لغته الأمّ، غير أنه كان يجيد أيضاً الألمانية والروسية والفرنسية والانكليزية.
وكان من الطبيعي، على وجه الدقة إذن، أن يرغب في بلوغ معرفة عملية في اللغات الشرقية (العربية، التركية، الخ) التي درسها في الجامعة.
وتعلّم أن يتكلّم شيئاً من العربية على يدي متفقّه تتري في هلسنكي. ونجم عن اهتمامه في العربية الدارجة كتابة اطروحة ماجستير عن الفروق الرئيسية بين العربية الفصحىٰ والدارجة، تلك الاطروحة التي كتبها باللاتينية في 1839م 3.
في سنة 1841م قصد العاصمة الروسية عندئذ (بطرسبرغ) ، والتي سُمّيت ليننغراد لاحقاً. فازداد في جامعتها تضلعاً بالعربية على يد استاذها الشيخ محمد عياد الطنطاوي،