79
والخط المنحرف.
فإذا ما ابتعدنا عن الخط الأوّل خطوةً فإننا نقترب من الخط الثاني بقدرها وهكذا، فأي تنازل عن قيم الخط الأوّل معناه الانضمام إلى تبني ما يريده الخطّ الثاني، وتدريجاً نصل إلى نتيجة لا تخفى على ذي عينين، أننا نؤدّي الفريضة لا بخطها المرسوم لها من قبل السماء الذي يمثّله الخطّ الأوّل، وإنما بشكل آخر يبتعد كثيراً عن روح الشريعة ومقاصدها وأهدافها، إنه شكل مفرغ من كلّ شيء ويبقى مجرّد إطار عام لا غير.
وبدلاً من أن يقود الحجُّ الانسانَ إلى ما فيه خيره، ويقتطف ثماره ويستحصل منافعه كما أرادته السماء، راح الإنسان يرسم للحج منهجه، وبالتالي يجعله وسيلة لتحقيق ما يبتغيه من طموحات دنيوية ومصالح نفعية قد يصبّ أغلبها بصالح المستكبرين والطغاة، ولم يكن للمستضعفين فيه نصيب يذكر. . إنما هو بخدمة الحكّام وأتباعهم وأنظمتهم. وبدلاً من أن تكون علاقة تعبدية واعية أي علاقة مبنية على تحرّك واضح مسؤول نحو اللّٰه تعالى ومنهجه، تكون علاقة غير واعية تنتج بالتالي تحرّكاً غير مسؤول، بل هو تحرّك ميّت لا غير.
ما أراده السيّد الإمام:
لأجل ذلك كلّه ولغيره كان عنصر البراءة الذي نادىٰ بها السيّد الإمام إلتزاماً بما تريده الشريعة الأصلية، أساساً متيناً لهذه الفريضة، وروحاً وثّابة لها ولديمومتها وبقائها عبادةً حيّةً تؤتي أُكُلَها في حياة الاُمّة، وتنمي مسارها، وتقوّي عزيمتها، وبالتالي تحول دون سقوطها بشباك الظلمة. إضافةً إلى هذا كلّه فإن البراءة تذكير للاُمّة بالحج الإبراهيمي المحمّدي الأصيل، وهذا عامل مهم بل رئيسي في شدّ الاُمّة بتاريخها وأمجادها وفكرها الأصيل، والوقوف عنده وعدم تجاوزه أو التخلّف عنه.
فعنصر البراءة - حقّاً - لم يعد بعداً أجنبياً عن الفريضة أو شيئاً دخيلاً عليها