77
يولد * ولم يكن له كفواً أحد، بعيداً عمّا يفرّق الكلم، ويوغر الصدور، ويضعف الهمم ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم وترفعاً عن التكاثر في الأموال والأنفس والأنساب. . ليبقى ميزان التفاضل بينهم هو التقوى لا غير «لا فضل لعربي على أعجمي إلّابالتقوى» ، هذا النصّ النبوي الذي لا يقبل الجدل والتأويل قبس من نور كتاب اللّٰه تعالى إذ صرّح بكلّ قوّة: إنّ أكرمكم عند اللّٰه أتقاكم وقد جسّد هذا الهدف مظاهر متعدّدة في هذه الفريضة يلمسها كلّ واحد منّا، كما تكشف هذه المظاهر هي الأخرىٰ عمّا تنطوي عليه فريضة الحج، هذه المناسبة المباركة، من قيم عليا ومبادئ كبرى وأهداف سامية قلَّ نظيرها في أي عبادة وفي أي شعيرة من الشعائر السماوية الاُخرى على قدرها وعظمتها وسموّها، فضلاً عمّا يشرّعه الآخرون ويسنّونه ويهيّئونه من مناسبات. .
ومن تلك المظاهر التي صهرت في وهج بوتقة عقيدة الواحد الأحد: وقوف الحجّاج في جمعهم العظيم وحشدهم الهائل وفي كتلهم البشرية المتراصة يجمعها هدفٌ واحدٌ وزيّ واحدٌ خالٍ من التفاخر والتعاظم والاستعلاء، ومكانٌ واحدٌ في عرفات وفي المزدلفة ومنى، ثم البيت المبارك والصفا والمروة، وفي مناسك واحدة في إحرامهم وطوافهم وفي سعيهم. . إضافةً إلى تواجدهم في أماكن أخرى من أضرحة الأولياء ومراقد الصالحين، ومعالم الرسالة وآثار النبوّة. .
حقّاً إنّها صورة رائعة مهيبة تحكي لنا قيام مجتمع مسلم على ثوابت وأسس متينة من الحبّ والتعاطف والتسامح والتعاون والتآزر. . بعيداً عمّا يلوّث النفوس من رفث وفسوق وجدال فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحجّ ، حتى تطهر النفوس والأرواح، وحتى تصان أجسادنا وأرواحنا وعقولنا من العبث والدنس، فتصل مناسكنا مع طهارة نفوسنا إلى ذروة كمالها الروحي والعبادي. . «من حجّ فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمّه» فكلّ شيء في هذا الحرم المبارك ينبغي أن يكون في طهر وأمن وسلام. . نموذجاً رائعاً تتجلّى فيه المحبّة والرحمة. .