319كما أشار رحمه الله موضّحاً آثار الحج الاجتماعية قائلاً:
«استحدث الإسلام هذه العواطف، وندب الناس إليها، وألزمهم ببعضها حتى تعمّ المعرفة الدينية وتعمّ العواطف الأخوية، والتعارف بين الناس وتنضج الأفكار وتنمو وتتلاقح، وتبحث المشاكل الاجتماعية. . . وحلولها» .
لقد استوحى الإمام قدس سره هذه المعطيات من القرآن وسنّة الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله في تكريس الوظيفة الاجتماعية للحج الإسلامي، وتعرية كلّ المحاولات الجاهلية لتشويه هذه الشعيرة، وإبعادها عن أهدافها الحقيقية. فعندما نمعن النظر في مسألة الطواف والسعي وغير ذلك من شعائر الحج الإبراهيمي نلاحظ أنّ هناك انصهاراً وذوباناً ضمن كتلة بشرية واحدة تسودها القوة والفاعلية، وتموت فيها «الأنا» ولا نجد أي مجال للفردية، بل الحضور كلّ الحضور للجماعة المسلمة، حيث يشعر الفرد المسلم بأنّ هذه الاُمّة لم تعدّ أمّة مجزّأة ومشتّتة العرى والأوصال، وإنما تتمتّع بكيان واحد ومصير مشترك. ذلك أنّ المسلمين في الحج يتحوّلون إلى اُمّة واحدة، عندما يتحرّكون باتجاه واحد، ويلبّون تلبية واحدة، ويلبسون لباساً واحداً، ويطوفون حول كعبة واحدة، ويسعون في اتجاه واحد، وفق مناسك مشتركة.
لذا من أجل هكذا نوع من الارتباط والتلاقي، تمّ إعداد الإنسان ليكون اجتماعياً. ذلك أنّ الإنسان من خلال هذا اللقاء والارتباط بالمجتمع يصل إلى درجة من النضج والرُقيّ في سُلّم الكمال الذي أعدّه اللّٰه تعالى له.
فالإحرام من الميقات تعبير عن الذوبان في المجموع. والطواف حول البيت يمثِّل الانجذاب إلى اللّٰه تعالى والتوجّه نحو الحياة، قال تعالى: قل إنّ صلاتي ونسكي ومحياى ومماتي للّٰهربّ العالمين* لا شريك له وبذلك أُمرتُ وأنا أوّل المسلمين .
ومن هنا يتضح أنّ الاُمّة من خلال مناسك الحج تعيش تجربة التوحيد، والارتباط باللّٰه والمعايشة الفعلية مع الاُمّة - بنظر الإمام الراحل - في جوّ يسوده