309مجتمعاً إسلامياً وإن كان مصغّراً إلّاأنه يبتغي من ورائه بناء مجتمع آخر أوسع منه وأكثر شمولاً ونفعاً، مجتمع موحّد وبالتالي الحيلولة دون انهيار الأمة وقيمها ومحاولة شدّ أزرها لمقارعة الاستبداد والظلم من أي طرف حصل وبأي شكل كان، فالظلم قطعاً يحول دون سمو الفرد وبالتالي يحول دون سمو المجتمع والأمة.
فالحج هذه الظاهرة الربّانية الاجتماعية جعلها اللّٰه تعالى مناسبة لأكبر وأعظم لقاءٍ اجتماعي كبير يحتضن الآلاف من المسلمين من كلّ حدب وصوب ليشكّلوا مجتمعاً يكون نموذجاً مصغّراً لمجتمع كبير أفراده من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويكون هذا المجتمع قائماً بالقسط ليقوم الناس بالقسط وبالتالي ينتج أمّة تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ولتنبثق منه حكومة إسلامية تتصف بالعدل وتعمل به انطلاقاً من الآية الكريمة إنّ اللّٰه يأمر بالعدل. . .
حقّاً إنّ مجتمع الحج مجتمع يدعوننا إلى التفاؤل والسعادة ويدعوننا أيضاً إلى أن نقول إنّ أمتنا بخير.
ولا أظنّ أحداً خاصّة ممّن وفّق لأداء هذه الفريضة المقدّسة، أو كان ممّن اطّلع على خطاباتها وأحكامها الشرعية وأهدافها الساميّة وطريقة أدائها، لا يشاركني في أنّ لفريضة الحج إطاراً آخر غير ما يترتّب على تطبيق أحكامها وأداء فعاليتها من إطار إنساني تفوح منه رائحة الإيمان وتسمو به روحيات المشاركين وأخلاقهم، والإطار الذي أعنيه هو الإطار الاجتماعي بكلّ ما يتضمّن من أبعاد تربوية وسياسية وثقافية. . . تجعله يحمل نواة بقائه وديمومته وخلوده.
إن الهدف الأسمى للدين الإسلامي الحنيف هو خلق روحية اجتماعية - والإنسان اجتماعي بطبعه كما يقولون - تصبو لأن يكون كلّ تعاملها مع من حولها مبنياً على صفات نبيلة كالتآلف والتوادد والمحبة ممّا يولّد في نفوسنا جميعاً حاجة نفسية للاجتماع والاتصال بأجناس أخرى وشعوب متعدّدة تكون ساحة الحج ميداناً واسعاً وحقلاً خصباً لتواجدها وتلاقح أفكارها واستماع آراء الآخرين مهما