261الأمّارة بالسوء ينتقل إلى حبّ الآخرين ويعمل من أجل إسعادهم، فهو يذوب جوعاً وشوقاً في محبتهم وخدمتهم، ويعمل جاهداً من أجل راحتهم، وإذا أصبح الإنسان كذلك، ذابت من نفسه كلّ الفوارق القومية والعرقية والقبلية واللونية، ونظر إلى بقية المسلمين بمنظار عالمي لا يفرق بين أرض وأرض وجنس وجنس وعرق وعرق ومذهب وآخر وعاد هذا الفرد يشكِّل اُمّة بكلّ ما لها من أحاسيس ومشاعر عامة وطموحات وتطلّعات كبيرة.
وأتذكّر أنني عندما تشرّفت قبل عشرين سنة إلى بيت اللّٰه الحرام وشاهدت عن كثب كيف أن الملايين من المسلمين ترمق بنظر الذلّة إلى العزيز الجبّار، والجميع يطلبون منه تعالى فكاك رقابهم من النار، ذهبت من نفسي كلّ الرواسب الجغرافية والعرقية والمذهبية، ورحت معهم أدعو إلى اللّٰه أن يغفر لهؤلاء جميعاً. شعرت أنني أحبّهم بصدق؛ لأنهم يحبّون معبودي ومعشوقي بصدق.
وعندما تصل الاُمّة إلى هذا المستوى من الصدق في التعاطي، وتذوب فيها كلّ الرواسب الجليدية، وتلتقي على محبة اللّٰه سيكون عندئذ للاُمّة شأن آخر.
سادساً: عندما يحجّ الإنسان بوعي سوف يشعر أنه كان معزولاً عن أهله ومحبّيه، وأنّ له اخوة إذا استحكمت علاقته الطيبة معهم سوف يكون علاقة من الوشائج الثقافية على مستوى طموحات الاُمّة ثقافياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ومن الأخطاء أن يحاول بعضٌ جرّ الناس لنفسه بدل أن يجرّها لربّه، ويقدِّم لها ثقافةً شخصية بدل أن يزوّدهم بثقافةٍ إلهية.
لأنه عندما يحجّ ويرى هذه الحشود البشرية الدولية العالمية كلّها تلتقي في الكعبة المشرّفة وتؤدّي نفس المناسك، وتعبِّر المناسك عن مدلول وحدوي كبير سوف يشعر الحاج بأدائه لهذه الفريضة أنه مل الزمن ومل التاريخ ومل المستقبل، وأنّ المعاناة التي يلاقيها من طواغيت زمانه ما هي إلّامشقّة صغيرة، وبعدها الراحة الكبرى في وصول الإسلام المحمّدي الأصيل كما