209ومناسكه؟
وهناك ذكريات الإسلام الاُولى التي انطلقت من جوار الكعبة، فهناك غار حراء الذي كان يلجأ إليه رسولاللّٰه صلى الله عليه و آله ليتلقى الوحي ويناجي ربّه، وهناك شعب أبي طالب الذي حوصر فيه المسلمون ثلاثة أعوام كاملة حتى أكلوا تراب الأرض، وبين الصفا والمروة تتجدّد صورة سعي هاجر لينبثق الماء من زمزم، ويكون باقياً مدى الدهور لإرواء الحجيج، إنّ هذه كلّها تجعل المسلم يطير في اُفق جديد، اُفق العقيدة التي لاقت الصعوبات الجسيمة حتى أصبح هو مسلماً، ولا زالت كلمات الرسول صلى الله عليه و آله وأقواله واضحة جلية على كلّ التلال. . وهذه كلّها تشدّ المسلم إلى تأريخه العظيم وإلى رسالته، فالتاريخ مدرسة الإنسان. . وقد نحتاج إلى هذا الربط في وقتنا الحاضر بعد أن حاول أعداء الإسلام تشويه تاريخنا العظيم لإزالة الفكرة الدينية عند المسلمين.
ثالثاً: - تحرير الذات الإنسانية من عبودية الهوى واتباع الشهوات.
هذا الأمر الذي يبدأ من هجر الاخلّاء والأصحاب والأولاد والسفر إلى لقاء اللّٰه. وفي مظاهر الحج تلغى أشكال الزينة والترف والتفاخر والتعالي، وتنطلق دعوة جديدة للإنفاق على الفقراء من خلال تقديم الهدي. .
وإذا درسنا شعائر الحج لوجدناها رحلة لاجتياز الأنا. . فالحج ينزع الأهواء عبر الميقات الأوّل ولبس ثياب الإحرام ونزع كل زينة والتجرّد عن كلّ تعلّق دنيوي. الحج يعلِّم الإنسان أن يكون طوافه حول اللّٰه، وأن تكون نيّته خالصة لوجهه تعالى، ويسعى لتكون مسيرته نحو اللّٰه تعالى. . والسعي بين الصفا والمروة يُعلِّم الفرد كيف ينطلق نحو تحقيق الخير بسرعة ونبذ الخمول والتقاعس، وبهذا ينطلق ضمن الدائرة الحركية الرافضة لكلّ أسباب القعود والتباطؤ فضّل اللّٰه المجاهدين على القاعدين وليقتدي بالعائلة الإبراهيمية التي عانت الكثير لتكون حياتها سلوكاً يُقتدى به على مرّ الأجيال.
إّن الحجّ مسيرة تكاملية ترفض الأنا وتجمد الشهوات؛ كي ينطلق الفرد