191
تعليق: لاشك أنّ العلم بالأحكام الشرعية الخاصة بالمناسك ضروري من أجل أدائها بصورة صحيحة. ولعل أهم ما ينتجه الجانب التطبيقي المتعلق بمناسك الحج هو التغيير الناتج من ملاقاة الحجيج بعضهم مع بعض. فالتكليف الوجوبي لتأدية تلك الفريضة مرهون بشروط ثلاثة، وهي: البلوغ والعقل والاستطاعة.
بمعنى أنّ القدرة المالية والعقلية هي التي تحدد وجوب الحج. ولكن إذا استثنينا القدرة المالية باعتبارها مجرّد وسيلة للوصول لتأدية أعمال الحج، بقيت لدينا القدرة العقلية، وهي الأصل في التغيير الاجتماعي. أي أنّ المكلفين الذين يجتمعون لأداء المناسك هم الذين لديهم القابلية الفكرية والاستعداد النفسي على استيعاب شروط ومفردات التغيير الاجتماعي. ولاشك أنّ الحجيج يفدون من مجتمعات إنسانية متباينة في الفكر واللغة والعادات الاجتماعية والثقافية، والحج لايوحّدهم على صعيد السلوك العبادي فحسب، بل على صعيد الفهم الاجتماعي لطبيعة المجتمعات الأخرى. ومثال ذلك، أنّ المكلفين المنتمين لمجتمعٍ أكثر تطبيقاً لاحكام الإسلام وإلزاماته الاخلاقية، إذا تواجدوا على ساحات البيت الحرام وحرم مكة فإنهم سيتميزون عن غيرهم من بقية افراد المجتمعات، بسبب تطابق سلوكهم مع السلوك الشرعي. وهذا السلوك العملي القريب من جوهر الإسلام سيترك آثاره الواضحة على بقية الأفراد من المجتمعات الأخرى. وبسبب هذا التفاعل الاجتماعي، فإنّ المسلمين على اختلاف تركيبتهم الثقافية والاجتماعية سيكتسبون بعضهم من بعض بما يرفع من مستواهم الأخلاقي والتطبيقي بالمقدار الذي ينسجم مع الشريعة، وهذا هو المقصود من التغيير الاجتماعي المطلوب.
وثمة عامل آخر مهم ينبثق عن مناسك الحج، ويقوم بدور البناء الاجتماعي أيضاً، وهو ترسيخ دور القيادة الدينية المرجعية في حياة الأمة الإسلامية؛ لأنّ المفترض بالحجيج ان يقلّدوا فقيهاً مرجعاً يرشدهم إلى تعاليم دينهم، وهذه القيادة الشرعية الفكرية لها مردودها الايجابي على انسياب العمل الاجتماعي، وانسجام