188بالنهاية إلى التغيير الاجتماعي الذي هو الأصل في نشاطات السلوك الجمعي.
ولايتوقف الأمر عند ذلك، بل إنّ الحج يولد شعوراً لدى الأفراد المندمجين بمناسكه وأفعاله، بالوحدة الكونية التي تجمع الخلق والمخلوقات. فالنظام الكوني في الحركة والدوران والبداية والنهاية ينعكس بشكل من الأشكال على هذه الأفعال التعبدية المنتظمة كالطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والصعود إلى جبل عرفات، والإفاضة إلى المزدلفة، ونحوها. وهذا الانسجام في طبيعة مناسك الحج يبرز شكلاً جديداً من أشكال التنظيم الاجتماعي الديني الذي يستحق تأملاً دقيقاً في أهدافه ومقاصده الحياتية.
(2) هذا المؤتمر العظيم
يشير الإمام قدس سره إلى مناسك الحج ومناسبتها، فيصفها بالمؤتمر العظيم. يقول قدس سره:
«لايخفى على أحد أنّ إقامة مثل هذا المؤتمر العظيم لايتسنى لأية شخصية ولا لاية حكومة. فهذا امر اللّٰه تعالى هو الذي أعدّ هذا التجمع الكبير» .
تعليق: إنّ الإسلام لم يقدّم للبشرية أعظم نظريات السلوك الجمعي فحسب، بل وضع الأفراد على محك التكليف الشرعي العملي وأوجب عليهم - عند تحقق الاستطاعة الشرعية وضمن تحديد زماني معين - التوجه إلى بيت الله الحرام في وسط صحراء الجزيرة العربية القاحلة لأداء تلك المناسك الشرعية في الطواف والصلاة والسعي والوقوف والنحر والمبيت. والتزام الأفراد بهذا العمل على مدى القرون المتمادية، مع ملاحظة المشّاق التي كان يعاني منها الفرد في التنقل، عبّر عن حقيقتين:
الأولى: حقيقة الرسالة الإسلامية وارتباطها بالتصميم الإلهي للخلق والمخلوقات. فلو قامت أية حركة اجتماعية أو حزب سياسي بدعوة الناس إلى التجمع في ذلك المكان الصحراوي في وقت محدد من كلّ عام، لما استجاب لتلك الدعوة أحد.