32وأسرفوا علىٰ انفسهم، وأظهروا المظالم والإلحاد، وتركوا شكر اللّٰه، فسُلِبوا نعمتهم، وكانوا يكرون بمكة الظِّل، ويبيعون الماء، فاخرجهم اللّٰه مِن مكة وسلّط عليهم الَّنمل حتّى خرجوا من الحرم، ثم ساقهم بالجَدب حتى الحقهم اللّٰه بمساقط رؤوس آبائهم ببلاد اليمن، فتفرقوا وهلكوا، وأبدل اللّٰه بعدهم بجُرهم، فكانوا سكّانه إلىٰ أن بغوا فيه ايضاً، فاهلِكوا جميعاً» 1انتهى.
السابع: بناء قصي
ذكر الزبير بن بكّار (قاضي مكّة) في كتاب «النَّسب» : «أنّ قُصي بن كلاب لما ولى امر البيت، جمع نفقته ثمّ هدَّم الكعبة، فبناها بنياناً لم يبنه ممَّن بناها قبله مكة» ذكر أبو عبداللّٰه محمّد بن عابد الدمشقي في «مغازيه» :
أنّ قصي بن كلاب بنى البيت الشريف» 2وجزم به الإمام الماوردي في «الأحكام السلطانية» فانه قال فيها:
«أوّل مَن جدّد بناء الكعبة مِن قريش بعد ابراهيم عليه السلام، قُصي بن كلاب، وسقَّفها بخشب الدوم وجريد النخل» 3انتهى.
قال السيد التقي الفاسي في «شفاء الغرام» ، ورواه القاضي الزبير بن بكّار.
«أنّ قُصيّاً بنى الكعبة علىٰ خمس وعشرين ذراعاً» . 4ففيه نظرٌ لما اشتهر في الأحكام أنّ ابراهيم الخليل عليه السلام بنى طول الكعبة تسعة اذرع، وأنّ قريشاً لما بنت الكعبة زادت في طولها تسعة اذرع، وأنّ قصياً أراد أن يجعل عرضها خمسة وعشرون [ عشرين ] ذراعاً، فالمعروف أنّ عرضها من الجهة الشرقية والغربية لا ينقص عن ثلاثين ذراعاً في بناء الخليل عليه السلام، بل يزيد (علىٰ خلافٍ في مقدار الزيادة) وإن أراد عرضها من الشاميّة واليمانية، فعرضها في هاتين الجهتين ينقص عن خمسة وعشرون [ ين ] ذراعاً، ثلاثة أذرع أو أزيد، وكلُّ مَن بنى الكعبة بعد ابراهيم عليه السلام لم يبنها إلّاعلىٰ قواعد ابراهيم عليه السلام، غير أنّ قريشاً اقتصرت من عرضها في جهة الحجر الشريف لأمرٍ اقتضاه الحال، وكان ما فعله الحجاج بعد