130وإلىٰ صديقتها نفيسة بنت منبه علىٰ قول آخر؛ لتسرّها بأن ما قاله ميسرة عن محمد قد نفذ إلىٰ روحها، وأنها وجدت فيه ما كانت تتمناه ولم تجده فيمن تقدم لخطبتها، فما كان من نفيسة - وقد سرّت بما سمعته - إلّاأن بادرت إليه - علىٰ رواية - فقالت له: ما يمنعك أن تتزوج؟
قال: ما بيدي ما أتزوج به.
قالت: فإن كفيت ذلك، ودُعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة، ألا تجيب؟
قال: فَمن هي؟ !
قالت: خديجة.
قال: كيف لي بذلك؟ !
فقالت نفيسة، وقد علت ملامح وجهها الفرحةُ: عليّ ذلك، وسارعت لتبلغ خديجة بما سمعته من محمد.
وفي رواية: . . . وكانت لبيبةً حازمةً، فبعثت إليه تقول: يا ابن عمِّ، إني قد رغبتُ فيك لقرابتك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك 1.
لقد خصّها اللّٰه بكرامة ادّخرها لها، وكانت له من الشاكرين، واختارها لمكانتها وصفاتها لتكون امرأة خاتم رسله، وسيد الأولين والآخرين محمد ابن عبداللّٰه.
لم يتأخر محمد في إبلاغ عمّه (أبو طالب) وعشيرته بذلك، كما لم تتأخر خديجة فقد أبلغت عمّها عمرو بن أسد، الذي حضر، ودخل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله عليه في عمومته، ومعه بنو هاشم وسائر رُؤساء مُضَر، فخطب أبو طالب فقال:
الحمد للّٰهالذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضئ مَعَدّ، وعُنصر مُضر، وجعلنا حَضَنَة بيته، وسُوّاس حَرمِه، وجعل لنا بيتاً محجوباً، وحرماً آمناً، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إنّ ابن أخي هذا محمد بن عبد اللّٰه لا يُوزن به رجل من قريش إلّارجح به شرفاً ونُبلاً وفضلاً وعقلاً، فإن كان في المال فلا، فإن المال ظلّ زائل، وأمر حائل، وعارية مسترجعة. ومحمد مَن قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة، وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من مالي هذا، وهو مع هذا - واللّٰه - له نبأ عظيم، وخطر جليل أو «له واللّٰه خطب عظيم ونبأ شائع» . فتزوجها