125
وجدتموهم) فهذا القول ظاهر البطلان؛ لأنّ الآية الأُولىٰ خاصّة، والخاصّ يكون قرينة علىٰ بيان المراد من العام وإن علم تقدّمه عليه في الورود، فكيف إذا لم يعلم ذلك؟ وعلىٰ هذا فيختصّ قتال المشركين بغير الحرم إلّاأن يكونوا هم المبتدئين بالقتال فيه فيجوز قتالهم فيه حينئذٍ، وإن استندوا في نسخ الآية إلى الرواية القائلة: إنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم أمر بقتل ابن خطل وقد كان متعلّقاً بأستار الكعبة فهو باطل أيضاً أوّلاً: لأنّه خبر واحد لا يثبت به النسخ. ثانياً: لا دلالة فيه على النسخ. فإنّهم رووا في الصحيح عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قوله: «إنّها لم تحلّ لأحد قبلي، وإنّما أُحلّت لي ساعة من نهارها» ، وصريح هذه الرواية أنّ ذلك من خصائص النبي صلى الله عليه و آله و سلم فلا وجه للقول بنسخ الآية إلّاالمتابعة لفتاوىٰ جماعة من الفقهاء والآية حجّة عليهم» 1ويُفهم من تقييد تحريم القتال في الحرم بقيد كون الطرف الآخر من الكفّار، إنّ هذا التحريم لا يشمل البُغاة، وإنّ مبادرة البُغاة بالقتال في الحرم أمر جائز. وممّا يؤكّد ذلك ويشرحه قوله قدس سره قبل عدّة أسطر من الصفحة نفسها حيث أفتىٰ بجواز قتال الطائفة الباغية في الأشهر الحُرم معلّلاً ذلك بأنّ «الآية الدالّة علىٰ حرمة القتال في الأشهر الحُرم تنصرف عن القتال المذكور حيث إنّه لدفع البغي وليس من القتال الابتدائي كي يكون مشمولاً للآية» .
وقد تنطلق هنا بادرة للتأمّل العلمي في هذا الرأي؛ وهي أنّ المستفاد من النصوص القرآنية وغيرها انّ الكفر والبغي سببان تامّان لإيجاب القتال. وأنّ الحرم المكّي والأشهر الحُرم سببان تامّان لتحريمه. والتحريم منصبٌّ على القتال بما هو قتال لا علىٰ نوع منه؛ لأنّ القتال بما هو قتال لا يتناسب مع حرمة الحرم وحرمة الأشهر الحُرم. والتفكيك بين الكفر والبغي بتحريم مقاتلة الكفّار، وإباحة مقاتلة الباغين في الحرم والأشهر الحُرم بدعوىٰ انصراف آية التحريم إلى الجهاد الابتدائي وعدم شمولها لقتال الباغين أمر قابل للدفع من جهة دعوى الانصراف