156وما رأىٰ.
فقال لهم: ويحكم، إن أهلَ هذا البيت خُصُّوا من الخلق بماترون من الفضل، وإنَّ صِغَر السنِّ فيهم لا يمنعهم من الكمال، أما علمتم أن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم افتتح دعوته بدعاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وهو ابن عشر سنين، وقبل منه الإسلام، وحَكَمَ له به، ولم يدعُ أحداً في سنِّه غيره. وبايَعَ الحسن والحسين عليهما السلام، وهما ابنا دون الست سنين، ولم يبايع صبياً غيرهما؟ أفلا تعلمون الآن ما اختص اللّٰه به هؤلاء القوم، وأنَّهم ذريّة بعضها من بعض، يجري لآخرهم ما يجري لأوَّلهم؟ ! قالوا: صدقت يا أمير المؤمنين، ثم نهض القوم) 1.
ومكث أبو جعفر مضطلعاً بالمرجعية العلمية في المدينة طيلة حياته، (فلم يزل بها حتىٰ أشخصه المعتصم في أول سنة عشرين ومائتين إلىٰ بغداد، فأقام بها إلىٰ أن توفي في آخر ذي القعدة من هذه السنة) 2. وكان مقامه في المدينة محط أنظار الفقهاء والمحدثين، فقد استقطب القادمين إلىٰ الحج منهم، وكانوا بعد إنصرافهم يردون المدينة للقاء أبي جعفر الجواد عليه السلام والتزود من علومه، والوقوف على الإجابات الصحيحة للأسئلة والإشكالات المختلفة، التي كانت تتوالد كلّ يوم، مع اتساع معرفة المسلمين بالثقافات المترجمة من اليونانية والسريانية وغيرها. ففي أحد السنوات (وكان وقت الموسم، فاجتمع من فقهاء بغداد والأمصار وعلمائهم ثمانون رجلاً، فخرجوا إلى الحج، وقصدوا المدينة؛ ليشاهدوا أبا جعفر عليه السلام، فلما وافوا أتوا دار جعفر الصادق عليه السلام لأنها كانت فارغة، ودخلوها وجلسوا علىٰ بساط كبير، وخرج اليهم عبداللّٰه بن موسىٰ، فجلس في صدر المجلس، وقام مناد، وقال: هذا ابن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، فمن أراد السؤال فليسأله، فسُئِل عن أشياء أجاب عنها بغير الواجب، فورد على الشيعة ما حيّرهم وغمّهم، واضطربت الفقهاء، وقاموا وهمّوا بالانصراف، وقالوا