153الرضا عليه السلام أصحابه لتعلم معالم دينهم من يونس بن عبد الرحمن، وزكريا بن آدم، يدلل علىٰ اهتمام الإمام عليه السلام بتنمية النبتة الفتية للحركة العلمية في الأمصار الشيعية، التي غُرست بذرتها من قبل آبائه الطاهرين عليهم السلام وتلامذتهم المخلصين.
وتجدر الاشارة إلىٰ أن العصر الذي عاش فيه الإمام الرضا عليه السلام اتسم بازدهار الحياة العقلية وتأسيس مراكز علمية هامة لدى المسلمين، التي كان من أبرزها بيت الحكمة في بغداد، الذي باشر فيه جملة من المترجمين نقل العلوم اليونانية وغيرها من علوم الأوائل إلى العربية. وقد رافق هذه الحركة ولادة وانبعاث مجموعة تيارات فكرية، كانت تموج بها الحياة العقلية وقتئذ، وولدت في هذا الفضاء الثقافي أسئلة متنوعة، حار أهل العلم في تقديم إجابات شافية عنها، فتكفل علي بن موسى الرضا عليه السلام بيان إجابات دقيقة عن تلك الأسئلة الحائرة، فقد ذكر محمد بن عيسىٰ اليقطيني في تقدير عدد الأسئلة، أنه: (لما اختلف الناس في أمر أبي الحسن الرضا عليه السلام، جمعت من مسائله، مما سُئل عنه وأجاب عنه، خمس عشرة ألف مسألة) 1. وهو عدد كبير، ولاسيما إذا لاحظنا طبيعة العصر آنذاك وبدائية وسائل الاتصال فيه. بيد أن هذا العدد من المسائل يكشف عن مدىٰ نمو الحياة العقلية في ذلك العصر، والموقع الذي كان يحتله الإمام في توجيهها.
وبعد وفاة علي بن موسى الرضا عليه السلام ورثه في الإشراف علىٰ مدرسة المدينة ولده أبو جعفر محمد الجواد عليه السلام، الذي نصّ عليه بقوله: (. . . هذا أبو جعفر، قد أجلسته مجلسي، وصيّرته مكاني، وقال: إنّا أهل بيتٍ يتوارث أصاغِرُنا عن أكابرنا القُذَّةُ بالقُذَّةِ) 2. وقد تصدىٰ أبو جعفر عليه السلام للمهام، التي كان يضطلع بها أبوه من قبل في سن مبكرة، وبرهن للعامة والخاصة تقدمه علىٰ سواه، وحمله لمواريث النبوة، فكان إذا دخل مسجد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم هرع اليه أهل العلم