147جعفر: تنحَّ فإني خائف علىٰ نفسي وعليك، وإنما يريدني ليس يريدك، فتنحَّ عني لا تهلك وتعين علىٰ نفسك، فتنحّىٰ غير بعيد. وتبعت الشيخ، وذلك أني ظننت أني لا أقدر على التخلّص منه، فمازلت أتبعه حتىٰ وردني علىٰ باب أبي الحسن موسىٰ عليه السلام، ثم خلّاني ومضىٰ، فإذا خادم بالباب، فقال لي: أدخل رحمك اللّٰه، قال:
فدخلت فإذا أبو الحسن عليه السلام، . . قلت: جُعلتُ فداك، أسألك عما كان يسأل أبوك؟ قال: سل تُخبَر ولا تُذِع، فإن أذعت فهو الذبح، قال: فسألته فإذا هو بحر. قال:
قلت: جُعلت فداك شيعتك وشيعة أبيك ضلّال فألقي إليهم، وادعوهم إليك فقد أخذت عليّ بالكتمان؟ قال: مَنْ آنست منهم رُشداً فألق إليهم، وخذ عليهم بالكتمان، فإن أذاعوا فهو الذبح، وأشار بيده إلىٰ حلقه. . .) 1.
إن هذه الظروف حالت بين الإمام الكاظم عليه السلام واتصال أصحابه به بنحو طبيعي، ذلك أن غياب الحرية ينتج ضمور الحركة العلمية وتراجعها، ومع ذلك فإن الإمام عليه السلام لم يتخلَّ عن مهمة بثّ معارف الوحي ونشرها بين خاصة أصحابه، كما حرص تلامذته على الإفادة من أية فرصة تتاح لهم بلقائه، وتسجيل كلّ شيء يتفوّه به، روىٰ أبو الوضاح أن أباه قال: (كان جماعة من خاصة أبي الحسن عليه السلام من أهل البيت، والشيعة، يحضرون، ومعهم في أكمامهم ألواح أبنوس لطاف، وأميال، فإذا نطق أبو الحسن بكلمة أوأفتىٰ في نازلة، أثبت القوم ما سمعوا منه في ذلك) 2.
وأصر الشيعة علىٰ مواصلة الاتصال بأبي الحسن موسى الكاظم عليه السلام وهو في سجنه ببغداد، عبر مراسلات كانت تجري بطريقة سرية، ولم تمنعه الرقابة المشددة في السجن، وقسوة الأحوال التي كان يعيشها فيه من بيان معارف الوحي علىٰ خاصته، يقول علي بن سويد السائي: (كتبت إلىٰ أبي الحسن عليه السلام وهو في الحبس، أسأله عن حاله، وعن جواب مسائل كتبت بها إليه، فكتب إلي: