143وبمثل هذا يشهد الفقيه المعروف أبو حنيفة، كما في (مسند أبي حنيفة، قال الحسن بن زياد: سمعتُ أبا حنيفة وقد سُئِل مَنْ أفقه من رأيت؟ قال: جعفر بن محمد. لما أقدمه المنصور بعث إليّ، فقال: يا أبا حنيفة، إن الناس قد فُتنوا بجعفر بن محمد فهيّىء له من مسائلك الشداد، فهيّأت له أربعين مسألة، ثم بعث إليّ أبو جعفر وهو بالحيرة، فأتيته، فدخلتُ عليه، وجعفر جالس عن يمينه، فلمّا بصرت به، دخلني من الهيبة لجعفر مالم يدخلني لأبي جعفر، فسلّمتُ عليه، فأومأ إليّ فجلستُ، ثم التفتَ اليه، فقال: يا أبا عبداللّٰه هذا أبو حنيفة، قال: نعم أعرفه، ثم التفتَ إليّ، فقال: يا أبا حنيفة ألقِ علىٰ أبي عبداللّٰه من مسائلك، فجعلتُ أُلقي عليه فيجيبني، فيقول: أنتم تقولون كذا، وأهل المدينة يقولون كذا، ونحن نقول كذا، فربما تابعنا وربما تابعهم، وربما خالفنا جميعاً، حتىٰ أتيت على الأربعين مسألة، فما أخلَّ منها بشيء. ثم قال أبو حنيفة: أليس أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس) 1.
وقد أمضى الامام جعفر الصادق عليه السلام جُلَّ حياته في المدينة المنورة منصرفاً لإحياء السنة الشريفة ونشر معارف الوحي، كتب الشهرستاني يصف الإمام الصادق عليه السلام (وهو ذوعلم غزير في الدين، وأدب كامل في الحكمة، وزهد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات، وقد أقام بالمدينة مدة، يفيد الشيعة المنتمين اليه، ويفيض علىٰ الموالين له أسرار العلوم، ثم دخل العراق، وأقام بها مدة) 2.
واشتهر مجلسه في المدينة؛ لأنه (كان يجلس للعامة والخاصة، ويأتيه الناس من الأقطار، يسألونه عن الحلال والحرام، وعن تأويل القرآن، وفصل الخطاب، فلا يخرج أحد منهم إلّاراضياً بالجواب) 3. واستقطب مجلسه القادمين إلى المدينة، فكان أهل العلم لا يتركون الورود عليه عندما يأتونها، فقد دخل أبو حنيفة المدينة ومعه عبداللّٰه بن مسلم، فقال له: (يا أبا حنيفة، إن ههنا جعفر بن