141يقصده أهل العلم ويلتفوا حوله للارتشاف من نمير علمه. وكان البعض يستفيد من وفود الإمام الصادق عليه السلام إلىٰ بيت اللّٰه الحرام فيتلقى العلم منه، ويلجأ اليه في دحض شبهات الزنادقة التي بدأت بالظهور في هذا العصر، وبلغت الجرأة بأصحابها أن يذيعوها في المسجد الحرام في موسم الحج، فان (ابن أبي العوجاء، وابن طالوت، وابن الأعمىٰ، وابن المُقَفَّع، في نفرٍ من الزنادقة، كانوا مجتمعين في الموسم بالمسجد الحرام، وابو عبداللّٰه جعفر بن محمد عليهما السلام فيه إذ ذاك يفتي الناس، ويُفسِّر لهم القرآن، ويُجيبُ عن المسائل بالحجج والبيِّنات. فقال القوم لابن أبي العوجاء: هل لك في تغليط هذا الجالس وسؤاله عمّا يفضحه عند هؤلاء المحيطين به؟ فقد ترىٰ فتنة الناس به، وهو علّامةُ زمانه، فقال لهم ابن أبي العوجاء: نعم، ثم تقدّمَ ففرّقَ بين الناس، وقال: أبا عبداللّٰه، إن المجالس أمانات، ولابد لكل من كان به سُعالٌ أن يسعَلَ، فتأذنُ في السُّؤال؟ فقال له أبو عبداللّٰه عليه السلام: «سل إن شئتَ» .
فقال له ابن أبي العوجاء: إلىٰ كم تدوسون هذا البيدر، وتلوذون بهذا الحَجَر، وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب والمَدَرِ، وتهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر؟ ! مَنْ فكّر في ذلك وقدّر، عَلِمَ أنه فعلُ غير حكيم ولا ذي نظرٍ، فقُل فإنك رأس هذا الأمر وسنامُه، وأبوك أُسُّه ونظامه. فقال له الصادق عليه وعلى آبائه السلام: «إنّ مَنْ أضله اللّٰه وأعمىٰ قلبه استوخَمَ الحق فلم يستعذبه، وصار الشيطان وليَّه وربَّه، يُوردُه مناهل الهلكة، وهذا بيت اِستعبد اللّٰه به خلقه ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثَّهم علىٰ تعظيمه وزيارته، وجعله قبلة للمصلين له، فهو شُعبة من رضوانه، وطريق يؤدي إلىٰ غُفرانه، منصوبٌ علىٰ استواء الكمال، ومجمع العظمة والجلال، خلقه قبل دَحْوِ الأرض بألفي عام، فأُحقُّ مَنْ أُطيعَ فيما أمرَ وانتُهي عمّا زَجَرَ، اللّٰه عزَّ وجلَّ المنشيءُ للأرواح والصور» .
فقال له ابن أبي العوجاء: ذكرت - أبا عبداللّٰه - فأحلت علىٰ غائب. فقال