121وكيف انعكس الأمر - في هذه الدعوة الإلهية - وانقلب العبد في فقره وحاجته من موقع الطالب والداعي والسائل إلى موقع «التلبية» . وكان اللّٰه تعالى هو صاحب الدعوة والطلب، وهو غني بذاته عن خلقه وعباده.
إنّ لهذا الانقلاب في المواقع سرّاً. وهو خصلة الكرم والجود الذاتية والأصيلة في الذات الإلهية، فهو سبحانه وتعالى يُحبُّ أن يجود علىٰ عباده ويُحبُّ أن يكرمهم وأن يحسن إليهم، كما نحتاج نحن إلى جوده وكرمه وإحسانه.
وحبّ الجود والكرم والإحسان والعطاء صفة من صفات ذاته عزّ شأنه، وليس على الإنسان إلّاأن يضع نفسه في مواضع جوده وكرمه وإحسانه وعطائه تبارك وتعالى، وهذه حقيقة من حقائق العلاقة بين اللّٰه تعالى وعباده، وهذه الحقيقة تفتح على الإنسان أبواباً من المعرفة. فكما نحتاج نحن إلى رحمة اللّٰه تعالى وفضله يحبّ اللّٰه تعالى أن يجود برحمته وفضله على عباده. وهذه العلاقة قائمة بين كلّ غني وفقير. ولا تقلّ حاجة الغني إلى العطاء والكرم عن حاجة الفقير إلى الغني.
واللّٰه تعالى غني عن عباده، وغناه في ذاته، فلا يحتاج عبادَه وخلقه في شيء، ولكنّه يحبّ أن يجود عليهم، ويكرمهم، ويعطيهم من فضله ورحمته، كما نحتاج نحن إلى رحمته وفضله وجوده.
وهذا هو سرّ دعوة اللّٰه لعباده بالإقبال عليه، والدخول في رحاب ضيافته، والوقوف على أبواب رحمته في شهر ذي الحجة في عرفات عند بيته المحرّم وفي شهر الصيام، فيدعو اللّٰه تعالى عباده لدعائه؛ ليستجيب لهم برحمته وفضله.
وهذه من ألطاف سنن الكرم الإلهي. يقول تعالى: « أُدعوني أستجب لكم» فتحل دعوة العبد، في هذه الآية الكريمة بين دعوة اللّٰه تعالى واستجابته.
فاللّٰه عزّ شأنه يدعو عباده لدعائه ليستجيب لهم (أُدعوني أستجب لكم) ،