110تتكامل مع مشروع عالمية الإسلام الذي يستوعب العقيدة والشريعة الإسلامية. ويتّخذ من الحج مرتكزاً فعالاً، ووسيلة مهمة من وسائله التطبيقية؛ لأنّه ممارسة روحية يقدم عليها المسلم بكلّ قلبه ومشاعره، وبطوع اختياره، تبدأ بتقطيع كلّ أشكال العلاقات العنصرية، التي تربطه مع الأهل والعشيرة والوطن، وتنتهي بالتلبس بعلاقات توحيدية عالمية خالصة. فأوّل عمل يقوم به الحاج: هو توديع الأهل والأقارب والعشيرة والوطن، متّجهاً إلىٰ حياة تخيم عليها الروح العالمية الخالصة، فلا أبناء ولا وطنَ ولا لغةَ قومية ولا زيَّ قومياً في الحج. وإنما علاقات إنسانيّة هي علاقة التوحيد، ووطن عالمي سواء فيه العاكف والباد، وهو مكة. ولغة عالمية هي اللغة العربية. وزيٌّ عالمي هو الإحرام، الذي تتساوىٰ فيه الطبقات الاجتماعية المختلفة، وتُمحى عنده الفوارق العنصرية، ومحور موحّد تطوف حوله وفود الحجيج وهو الكعبة، التي يرمز الطواف حولها إلىٰ بلوغ المؤمن نهاية القرب من اللّٰه - سبحانه وتعالى - الذي تتقطع عنده أسباب الدنيا، وعلاقات الأرض العنصرية، وتتكامل على انقاضها العلاقات الروحية.
يقول هاملتون جب [ إنّ شعيرة الحجِّ تُعدّ عاملاً قوياً في تطبيق مبدأ توحيد العالم، فهي رمز للأخاء الذي يربط المسلمين بعضهم ببعض، دون تفرقة لونية أو عنصرية ] 1.
ويتحدّث الدكتور حسين مؤنس عن العناصر التي ربطت العالم الإسلامي مع بعضه البعض، وجمعت بينها في العصور الإسلامية الأولى. ويذكر الطلابَ والعلماء والتجّار والملّاحين، ويذكر الحجاجَ من ضمنهم، وهم الذين يسمون بأهل الرحلة، الذين عمقوا مفهوم الوحدة لدى الناس فيقول:
[ فأمّا الحجاج فقد كانت قوافلهم تشقّ أرجاء ذلك العالم الإسلامي في مسيرة دائمة لا تتوقف، ولا تبالي بالعقبات الطبيعية من جبال وصحاري وبحار،