140وترحاله، فتلك الصحاري المترامية أطرافها ليس لهم وسيلة للوصول إليها وتسهيل التواصل فيها إلاّ بواسطة هذا الحيوان، فاعتمادهم عليه كبير، حتى غدت الجمل والناقة شيئاً لا يستغنى عنه، فعليها ركوبهم ونقل أمتعتهم، وبها يرحلون ويقطعون الفيافي والوديان وإن بعدت، ومن أوبارها يلبسون، وعلى لحومها يقتاتون، ومن ألبانها يشربون... فهي مصدر عيشهم وسعادتهم وغناهم في صحراء شحيحة الرزق، قليلة العطاء، وفيافٍ شاسعة مجدبة مما جعل العلاقة بينها وبينهم علاقة حميمية، وصلت حدَّ الافتتان بها ومحلَّ مباهاة بينهم فبها يتكاثرون وبخصائصها يتباهون وبقدراتها يتفاخرون، وبالتالي فهم لا يستغنون عنها، حتى راحو يتحملون مشاق الأسفار البعيدة بحثاً عن الإبل الأصيلة ذات الخصائص والمميزات التي يبتغونها، فيقدمون إزاءها أغلى الأثمان، أوينيخون للزمول الأصيلة التي مدحها
العرب وذاع صيتها، فبرزت سلالات أصيلة وعريقة من الإبل توافرت فيها مميزات وصفات محمودة صاروا مفتونيين بها حتى غدت لافقط محلّ مباهاتهم في قصائدهم حين يصفونها، بل احتلّت قصصها وأخبارها ومحاسنها ندواتهم ومجالسهم ودواوين شعرهم ومعلقاتهم.
فلا غرابة أنهم يعدونها أثمن ما يملكون، وبها لا يفرطون، وفي الدفاع عنها يستبسلون، وإذا ما وقعت غارة عليها يستنجد بعضهم ببعض، ويستغيث بالآخرين لإنقاذها.