69في الشوارع خفيفة، وهي حالة تختلف اختلافاً كلياً عن مثلها في سائر المدن الإسلامية الأخرى، وقد بحثنا عن السّر في ذلك، فعرفنا أنّ سكان مكة ينقطعون بكلياتهم وجزئياتهم خلال شهر الصوم للعبادة والتقديس ونسيان متاع الدنيا ومشاغلها.
ومكة مدينة كبرى بحق، أكثر مبانيها مشيدة بالأحجار، ذات وجهات بارزة بشكل «مشربيات» بعضها على نمط عربي بحت، والبعض الآخر يشبه المباني المصرية التي شيدت خلال نصف القرن الماضي، وهي كثيرة الأسواق، يجد فيها المسافر كل ما تشتهيه نفسه من الحاجيات من ملبس ومأكل وكماليات، ولا سيما بعض الزخارف التي يجيدها صناع أصلهم من الهند والعراق والشام وبعض أهل مكة أنفسهم، فأسواق الحرير مثلاً - مع أنّ دودة القز لا تعيش في الحجاز وقزها يُجلب من دمشق الشام وبيروت - يشتغلون بصنعها، حتى إذا عرضت مصنوعات مكة الحريرية على طلابها ميزوها وأيقنوا أنها من صنع مكة.
على أنّ سائر السلع والبضائع مرتفعة الأسعار حتى الفاكهة وبعض الخضروات، بسبب استجلابها من الخارج وضرب الرسوم الجمركية فادحة عليها.
أما اللحم والسمن فكثير جداً وأثمانه رخيصة عنها في مصر.
أما الحالة الصحية بسبب قدم المدينة وضيق شوارعها وعدم تنسيقها وشدة حرها، وعدم اعتناء الحكومات البائدة بتوفير أسباب الصحة العامة فليست حسنة، ولكن الحكومة الحاضرة شرعت في استجلاب المرشحات للمياه وتوسيع بعض الشوارع وإضاءتها، كل ذلك يحمل على الاعتقاد بحسن الحال في مستقبل الأيام.
ويبلغ تعداد سكان مكة والقرى المجاورة لها زهاء مائة ألف نسمة، وأكثرهم طوال القامة يضرب لونهم للسمرة مع نحافة غالبة في الأجسام على أنهم يتمتعون بصحة جيدة.
وظاهر أنّ اختلاط العنصرين التركي والمصري بهؤلاء السكان أحدث تغييراً في لهجة حديثهم ودرجة تفكيرهم وذهنياتهم، وهناك عدد غير قليل من الأغنياء الموسرين الذين أثروا من تبادل المتاجر والأرباح الطائلة التي دخلت عليهم في أوقات الحج، يجد الزائر المصري في منازلهم من أدوات الترف وجمال التنسيق ما يجده في بيوت بعض كبراء مصر، وتناول القهوة هناك شائع على الطريقتين المصرية والتركية، إلا أنّ شرب الشاي هو الأكثر شيوعاً.
أما عقائدهم الدينية فهم أقل تعصباً للدين من أهل نجد، وقد لاحظت أنّ بعضهم مع إحلال