68وكان في نيتنا أن نقوم برحلة طويلة نستعرض فيها سائر مدن الحجاز، لولا أن داهمنا القيظ بخيله ورَجله، فقد كانت درجة الحرارة في شهر مارس أشد منها في شهر يوليو بالقاهرة، حيث نصطليها الآن، وعلى ذلك لم نر بُداً من الاقتصار على زيارة مكة المكرمة، وفي الواقع فإنها كل شيء في الحجاز، بل هي الحجاز كله، فأم القرى هي مظهر حياة الحجاز والحجازيين، على أنها في الأثناء الأخيرة وبعد أن حكمها الوهابيون قد تطورت تطوراً يدفع بالباحث الرحّالة إلى استطلاع قديمها وجديدها.
تركنا «الرياض» وكان من حسن الحظ أن رافقنا في رحلتنا منها إلى أم القرى سعادة الطيب بك الهزازي، رئيس ديوان جلالة الملك ابن السعود، يحمل الهدية السعودية إلى صاحب السمو الأمير فاروق ولي عهد الدولة المصرية، وهي الجياد الأربعة التي وصلت إلى مصر منذ شهرين، فقطعنا ستة أيام على ظهور الإبل لم نشهد في طريقنا أثراً لبلد إلى أن صادفنا قرية تدعى: «الشعرا» هي بمثابة محط لرحال القوافل، وتزويد رجالها بما يحتاجون إليه من مؤونة وماء، لهذا السبب ترى أسعار الحاجيات فيها مرتفعة جداً، وتركنا هذه القرية وواصلنا السير بين وديان وحزون، فتارة نصعد إلى هضاب عالية وقمم جبال شامخة، ثم ننخفض إلى سفوح بعيدة الغور، وعرة المسالك، حتى إذا احتجنا إلى الماء لم نجد حاجتنا منه إلا من آبار بعضها ذات ماء آسن أو ملح.
وهكذا قطعنا عشرة أيام على هذه الحال إلى أن بلغنا بقعة يسمونها: «السيل» وقد سميت كذلك لوقوفها في سفح سلسلة جبال تنحدر من قممها مياه الأمطار فتكوِّن شبه بحيرات صغيرة.
وفي هذه البقعة يتحتم على قاصدي أم القرى أن يُحرِموا استعداداً لدخول المدينة المقدسة، فخلعنا ملابسنا العادية، وأحرمنا وواصلنا السير، حتى إذا بانت أمام أنظارنا قباب مكة ومبانيها الشاهقة هتفنا مع رجال القافلة قائلين: «لبيك اللهم لبيك لا شريك لك، السعد والخير بين يديك» .
وفي مساء ذلك اليوم بلغنا أبواب مكة، فكان أول ما قمنا به أن طفنا حول البيت الكريم وسعينا بين الصفا والمروة سبع مرات، وهذا فرض واجب على كل داخل مكة. . .
في مكة المكرمة
ومما لاحظناه - وكان آنئذ شهر رمضان - أنّ أكثر المتاجر والحوانيت مغلقة، وحركة المارة