56بعض رجالهم للبحث عنها، فعادوا وأخبروا بأنهم لم يعثروا عليها، وفي [هذه] الأثناء حضر بدوي وأبلغهم أنه شاهد ناقة في طريقه وأعطى أوصافها، وكانت هي الناقة الضالة، وذكر أنه كان في وسعه أن يقودها معه إليهم، لولا خوفه من أن يُتَّهم بسرقتها، فشكره صاحب الناقة، وهكذا جدّ رجال القافلة حتى عثروا عليها قبل أن يصل أمرها إلى ولاة الأمور، فاستخلصت من ذلك ما أيد لي أمانة القوم، وانعدام حوادث السرقة انعداماً باتاً في قلب نجد.
ووصلنا إلي بريدة بعد مسيرة عدة أيام، صادفنا نحو أربع قرى هي: «الكهفة، والجوارة، ووثال، والشقة» وينزل في ثانيتها بعض الإخوان المتحضرين منذ زمن بعيد، وبجوار البلدة الرابعة جبل يستخرج منه الملح دون أن يدفع عنه الأهالي ضريبة أو ثمناً. . .
و «بريدة» هذه تقع في سهل رملي ذات مبانٍ متعددة كحائل تحيط بها المزارع وأشجار النخيل، ويمتاز تمرها بقصره وسمنته، والأهالي هناك يجففونه ويسمونه: «اليبيس» وأحسنه ما تنبته نخيل «عنيزة» ومع أنه شديد الحلاوة لذيذ الطعم إلا أنه غير سهل الهضم.
باريس نجد
ويعدون بريدة عاصمة لسائر القرى التي تحيط بها وهي في جملتها تدعى: «القصيم» وأهم مدنها: «عنيزة» وهي التي أسماها الشاعر الأشهر أمين الريحاني عند زيارته لها «باريس نجد» ، ذلك لأنّ منازلها مؤلفة من ثلاث طبقات، على نسق مباني المدن المتحضرة.
وأهل القصيم - ولا سيما سكان بريدة وعنيزة - يعدون أغنى أهل نجد جميعاً، وأكثرهم تحضراً، وأنشطهم حركة، وأعرفهم بأساليب التجارة.
ولقد رأيت كثيرين منهم في الشام ومصر يتبادلون المتاجر فيجلبون إلى مصر مثلاً الخيل والإبل والماشية والجلود والسمن، ويبتاعون الأقمشة وشتى أنواع المصنوعات والسلع، بل منهم من له شأن تجاري يغبط عليه في أسواق الهند ومدن الحجاز، وكان ذلك سبباً في تطور أخلاقهم وعاداتهم وميلهم إلى الأخذ بأساليب المدنية، وسهولة الطباع، وعدم التعصب لمذهب دون آخر.
زد على ذلك أن في وسع الغريب عن ديارهم أن يفهم لهجة كلامهم بسرعة، فإذا أضاف بعضهم غريباً متحضراً أدهشه ما يراه على موائدهم من أصناف الأطعمة ولوازم المائدة، مما يجعله لا يصدق أنه في قلب نجد.