53الجوف وطيب مائها وخصوبة أرضها.
وعلى ذكر الزراعة فهم يستخرجون الماء للزراعة بواسطة دلاء من الجلد مشدودة بحبال قد رُبطت أطرافها بأعناق الإبل، فإذا مُلئت الدلاء بالماء وشعرت الإبل بامتلائها نزلت إلى منحدر بجانب البئر، وعندئذ تكون الدلاء قد ارتفعت إلى علو، وأفرغت ما بها من الماء في حوض ذي فتحات متصلة بالأرض المراد ريها، ويسمون طريقة الري هذه «التني» .
فشل محاولات استعمارية
وقبل أن نغادر «الجوف» قصّ عليّ الأمير أنّ جماعة من السواح الأمريكان والإنجليز طالما حاولوا ارتياد ما بعد الجوف بحجة الاستطلاعات العلمية والجغرافية، فلم يأذن لهم الملك ابن السعود مخافة أن يكون لهم شأن آخر كهاتيك الشؤون الاستعمارية التي بدأها أمثال هؤلاء في غير بلاد العرب بمثل تلك الأسباب، ثم كانت النتيجة بلاء على أهلها، مثال ذلك أن رجلاً إنجليزياً يدعى مستر «ابشر» ذهب إلى «الجوف» على رأس قافلة من السيارات كلفته أموالاً طائلة بحجة إقامة مصنع للفخار من طينة معروفة بصلاحيتها لهذا النوع، فلم يأذن له الملك، وهكذا أصبح معروفاً في بلاد الغرب أن نجداً لن تصلح أرضها لوطء أقدام السياح والعلماء والخبراء والمهندسين الأوروبيين، حتى إنّ أحدهم أكد أنّ في وسعه أن يفتح آباراً للبترول «بالرياض» عاصمة نجد، فرُفض طلبه مع شدة حاجة أهلها إلي البترول وغلاء ثمنه. . .
و «حائل» تبعد عن الجوف نحو عشرة أيام على ظهور الإبل، وقد بدأنا السير في هذا الطريق، فإذا بها طريق موحش بلقع، فكنا نسير صاعدين فوق تلال ضيقة رملية تشرف على حزون بعيدة الغور، ثم نهبط منها منحدرين إلى مغاور ومجاهل يشرد عندها اللب وينخلع لها القلب، ذلك لأنه إذا اختل توازن الراكب على الإبل قليلاً أو عثرت أقدام الإبل كان الهلاك محققاً، إذ يسقط في هوة لا نجاة منها، وكانت عيون الماء خلال الستة الأيام الأولى معدومة، ولولا ما نحمله من الماء على ظهور الإبل وما كانت تملأ به أجوافها منه؛ لهلكنا نحن وهي ظمأ، على أننا مع ذلك لم نستطع قط أن نسرف في الماء، فلم نغتسل بقليل ولا بكثير منه.
وما كاد فجر اليوم السابع ينبلج حتى وصلنا بلدة تدعى: «جبه» ذات مبان من طين أبيض يلفت الأنظار، فأخذنا حاجتنا منها بعد أن استرحنا قليلاً، وما كان أكبر دهشتي حين أقبل علينا