50فهي تحصل تارة نقداً بحساب سبعة مجيديات على كل ستة إبل، وعن كل عشر نوقٍ مائة وأحد عشر قرشاً مصرياً، ورأسان من الغنم من كل مائة رأس، والسرقة والفاحشة معدومتان قطعاً في تلك البلاد، ويلقبون الحاكم بالأمير.
وقد استقبلني أمير قريات الملح على «مصطبة» كان يجلس عليها بجانبه سيفه وحوله عدد من أخصائه، وبعد أن قُدمت لنا القهوة النجدية طلب إليّ أن أظل في ضيافته أياماً، ولكني اعتذرت لرغبتي بمواصلة السفر، وبعد أن قضيت يوماً دعاني لزيارة قبيلة «بني صخر» في معيته، وهي قبيلة تضرب في خيام من الشعر على مسافة خمسة عشر كيلومتراً من قريات الملح معروفة بشدة البأس وبكثرة الغزوات، وسنأتي على ما يستحق البيان عن هذه القبيلة فيما يلي.
وقبل أن نبرح قريات الملح شاهدنا ثار آثارآثار قصر يسمونه «قصر الصعيدي» لا نسبة إلى صعيد مصر، ولكن لأنه شيد على هضبة رملية ذات صخور سوداء كبيرة يحيط به سور منها، فإذا بلغ رأس هذه الهضبة انكشف أمامه باب من الخشب يؤدي إلى داخله فيرى آثار مقصورات متعددة، وقد اختلف الرواة في تاريخ تشييد هذا القصر، فمن قائل: إنّ قبيلة بنيصخر- التي يعدونها مصرية الأصل - وبني عمومتهم من الدروز قام منها أخوان وسكنا هذه الجهات فبنيا هذا القصر، ولكنهما اختلفا بعد ذلك، فنزح أحدهما إلى جبل الدروز، فأصبح منهم درزيّاً، وبقي الآخر في هذا القصر إلى أن مات فاستولى عليه أمراء هذه البلاد وسكنوه مدة طويلة إلى أن عفت آثاره، فتهدمت أركانه، وأصبحت أطلالاً دارسة، ولم يبق منها إلا الاسم.
و «الجوف» على مسيرة تسعة أيام على ظهور الإبل، ومما يستحق الذكر أنّ هذا الطريق على طوله لم يصادفنا فيه سوى ثلاث آبار، أخذنا منها حاجتنا من الماء، وكان عجبي عظيماً لتلك الإبل التي لم تطفئ ظمأها خلال هذه التسعة الأيام إلا مرة واحدة، على أنّ رجال القافلة أبلغوني أنها تستطيع أن تظل بلا ماء في فصل الشتاء أكثر من خمسة عشر يوماً.
ومن ألطف ما لا حظته في رفاقي أنهم أثناء أداء الصلاة كانوا يراعون واجب المجاملة باعتباري مصرياً فيبتهلون إلى الله بالدعاء لمصر وأهلها وجلالة مليكها المعظم، فكانت هذه المجاملة في ذاتها تسري عني وعثاء السفر، وتقرب القوم إلى قلبي كثيراً، وتشعرني بعظمة الرابطة الإسلامية التي يدين بها شعوب الإسلام.
ومع أنّ أولئك البدو لا يزالون على سذاجتهم، فهم يدلون بأقوالهم وأفعالهم على فطنة