126والأقوياء يتولون أمر اليتيم, ويأكلون ماله, ولو كان اليتيم بنتاً تزوجوها وأكلوا مالها ثم طلقوها وخلوا سبيلها فلا مال تقتات به, ولا راغب في نكاحها ينفق عليها. وكان القتل شائعاً بينهم؛ لدوام الحروب, والغزوات, والغارات. وكان من شقاء أولادهم أنّ بلادهم خربة, وأراضيهم قفرة بائرة، يسرع الجدب والقحط إليها, فكان الرجل يقتل أولاده خشية الإملاق، وكانوا يئدون البنات، وكان من أبغض الأشياء عند الرجل أن يبشر بالأنثى.
فإضافة إلى كل ذلك سيطرة الدول الكبرى كإيران والروم والحبشة, على أغلب ما في شبه الجزيرة العربية، وانتشار الأمية والاعتقادات الخرافية بينهم، يستفاد هذا كله من سياق الآيات القرآنية بمكة أولاً وبالمدينة ثانياً، ومما وصفتهم به ذمّاً وملامةً ونهياً, ومما يذكره التاريخ, وأوجز كلمة وأوفاها، أجمل القرآن في معناها جميع هذه التفاصيل هي (الجاهلية) .
انتهى تلخيص ما ذكره العلامة الطباطبائي (قدس سره) .
إذن فالجاهلية كما أنها مشتقة من الجهل ضدَّ الحلم، فهي مشتقة من الجهل ضدَّ العلم، وبالتالي فإنّ الجهل المذكور يتضمن الأمرين معاً، فسواء أكان هذا الجهل ضدَّ العلم كما يذهب إليه فريق، أو ضدَّ الحلم كما يذهب إليه الأكثر، فقد تفشّى الجهل في أوساط عديدة من ذلك المجتمع، فإن يعتقد الإنسان بخرافات وأساطير وأوهام لا أصل لها، فهو ضدَّ العلم والمنطق السليم، وأن يخرج عن طريق الحقّ فيأخذ ما ليس له، ويرتكب الموبقات فهو عين الجهالة والسفه. .
وبالتالي فإني أميل إلى أنهم كما في جهل خلقي، فهم أيضاً في جهل معرفي، ولعلّي لا أكون مخطئاً إن قلت هناك ملازمة بينهما، أو أنّ كلاً منهما يولد الآخر، وهذا ما يمكننا استفادته حين تابعنا مفردة الجاهلية واشتقاقاتها فيما مضى من اللغة وآيات التنزيل العزيز والأحاديث والمواقف النبوية وفي ديوان الشعر العربي، ومن أقوال بعض المفسرين والمؤرخين. . ، كما أنّ من الصعوبة بمكان التفريق بينهما، خصوصاً وأنّ هذه الظواهر المتصفة بالجهل المقابل للعلم، والجهل المقابل للحلم، أو قلْ بالجهل المعرفي والجهل الخلقي والسلوكي، متداخلة، كما لا يعدم وجود حالات علمية أو منشآت كسدِّ مأرب، أو أناس يعرفون القراءة والكتابة وبالتالي لهم متابعات معرفية بما يناسب عصرهم، ووجود حالات تتسم بالحلم والخلق النبيل، وبعبارة أخرى لا يمكن أن يكون الجهل ضدَّ العلم مطلقاً، كما لا يمكن أن يكون الجهل ضدَّ الحلم عاماً في جميع مفاصل تلك