125عزفت نفوسهم عنه، وانصرفت وزهدت به، وإعمال العلم الذي كانوا به جاهلين، فعاشوا في ظلمات عديدة سواء على مستوى العلم أو مستوى الحلم، على المستوى المعرفي أو الأخلاقي، حتى جاء الإسلام لينتشلهم منها عبر حياة طيبة عامرة بجميل العقائد والأحكام، وفنون المعارف والآداب. . . هذا وقد ذكر العلامة السيد الطباطبائي في تفسيره الميزان كلاماً مفصلاً عن الجاهلية - لم أجده عند غيره - في الجزء الرابع: 156 - 158 بعد الآية: 6 من سورة النساء، وهذه خلاصته:
القرآن يسمي عهد العرب المتصل بظهور الإسلام بالجاهلية, وليس إلا إشارة منه إلى أن الحاكم فيهم يومئذ الجهل دون العلم, والمسيطر عليهم في كل شيء الباطل, وكذلك كانوا على ما يقصه القرآن من شؤونهم في الآيات الأربع: آل عمران: 154، المائدة:50، الفتح: 26، الأحزاب:33.
فالحبشة وهي نصرانية تحيط عرب الجزيرة جنوباً, والروم وهي نصرانية غرباً, والفرس وهم مجوس شمالاً, وفي غير ذلك الهند ومصر وهما وثنيتان, وفي أرضهم طوائف من اليهود, والعرب وثنيون, يعيش أغلبهم عيشة القبائل, فأوجد لهم هذا اجتماعاً همجياً بدوياً فيه أخلاط من رسوم اليهودية والنصرانية والمجوسية وهم سكارى جهالتهم. والعشائر يعيشون بالغزوات, وشن الغارات, واختطاف كل ما في أيدي آخرين, فلا أمن بينهم ولاسلامة, والأمر إلى من غلب, والملك لمن وضع عليه يده.
أما الرجال: فالفضيلة بينهم سفك الدماء, والحمية الجاهلية, والكبر, والغرور, واتباع الظالمين, وهضم حقوق المظلومين, والقمار, وشرب الخمر, والزنا, وأكل الميتة، وأما النساء: فقد كن محرومات من مزايا المجتمع الإنساني لا يملكن من أنفسهن إرادة, ولا من أعمالهن عملاً, ولا يملكن ميراثاً, ويتزوج بهنّ الرجال من غير تحديد بحدّ كما عند اليهود وبعض الوثنية, و كن يتبرّجن بالزينة, ويدعون من أحببن إلى أنفسهنّ, وفشا فيهنّ الزنا, والسفاح حتى في المحصنات المزوجات منهنّ, ومن عجيب بروزهنّ أنهنّ ربما كنّ يأتين بالحجّ عاريات. وأما الأولاد: فكانوا ينسبون إلى الآباء, لكنهم لا يورثون صغاراً ويذهب الكبار بالميراث, ومن الميراث زوجة المتوفى, ويحرم الصغار ذكوراً وإناثاً والنساء.