112نعود بعد هاتين الخطبتين وخطب أميرالمؤمنين (ع) إلى مفردة الجاهلية في التنزيل العزيز، حيث جاءت أربع مرات في القرآن المدني:
الظن: ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ والحكم: حُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ والتبرج: تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ والحمية: حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وكلها قد اقترنت بالعديد من المظاهر التي غدت سلوكاً تَميّز به الجاهليّون، يقابله سلوك آخر تَميّز به المسلمون، ف-: ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يقابله إيمان والتزام المسلمين، و حُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يقابله حكم الله عزّوجلّ، و تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ تقابله عفة المسلمات وحجابهنّ، و حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ تقابله تقوى المسلمين، وبالتالي هنا فئتان قد تميّزتا بظواهر، كل ظاهرة تعني شيئاً مخالفاً لما عليه الأُخرى، فالجاهلية تحكي سلوكاً سلبياً وأمراضاً كانت قائمة في المجتمع الجاهلي، ولم تنعدم آثارها في الحالة أو الساحة المسلمة، بمعنى أنّ النفوس لم تشفَ منها بعدُ. . ، خصوصاً إذا عرفنا أنّ السور التي تضمنت هذا المصطلح هي سور مدنية، بمعنى أنها غير مكية، مما يدل على أنّ هذا المصطلح لم يكن قد راج واشتهر في أول الإسلام في الفترة المكية، ولعله لعدم حصول أسبابه في الفترة المذكورة، وإنما وقعت أسبابه التي تحمل صفاته في الفترة المدنية في الساحة المسلمة، فترة الحكم والمعارك وانتشار الدعوة ودخول الناس في الدين أفواجاً. . فكان من الطبيعي أن تبرز الأمراض والسلبيات في حياة الناس، وببصمات مفهوم الجاهلية، فراح الإسلام ينبه المسلمين عليها ويحذرهم منها، وأنها من أمراض تلك المرحلة التي جاء الإسلام لخلاصهم منها ومن آثارها، فعليهم أن لا يعودوا لها أو لمثلها. . . وأحسب - والقول لابن عاشور - أنّ لفظ الجاهلية من مبتكرات القرآن، وصف به أهل الشرك تنفيراً من الجهل، وترغيباً في العلم، ولذلك يذكره القرآن في مقامات الذمّ في نحو قوله: أفحكم الجاهلية يبغون . 1ولاَ تَبَرّجْنَ تَبَرّجَ الجاهليّة الأولى . 2إذ جعل الَّذين كفروا في قلوبهم الحَمِيَّة حَمِيَّة الجَاهلية . 3
وبعد ذلك راح المسلمون يستعملونه، قال ابن عبَّاس: «سمعت أبي في الجاهلية يقول: اسقنا كأساً دِهاقاً، أي مملوءة متتابعة» .