212له من العمر أربع وأربعون سنة في دار الأرقم، التي كانت تدعىٰ بدار الإسلام؛ لأنّها الدار التي كان يتم فيها إسلام الراغبين باعتناق الدين الجديد يقول عمّار: لقيت صهيب بن سنان علىٰ باب دار الأرقم، ورسول اللّٰه صلى الله عليه و آله فيها، فقلتُ له: ما تريد؟ قال لي: ما تريد أنت؟ فقلتُ: أردتُ أن أدخل علىٰ محمد فأسمع كلامه، قال: وأنا أريد ذلك، فدخلنا عليه، فعرض علينا الإسلام، فأسلمنا، ثم مكثنا يومنا علىٰ ذلك حتىٰ أمسينا، ثم خرجنا ونحن مستخفون. وكان عمار وأبواه وكذلك أخوه عبداللّٰه من المبادرين لاعتناق الدين الإسلامي، ومن الأوائل الذين أظهروا إسلامهم وجهروا به، فنالوا بذلك وسام السابقين وفضلهم بعد أن حرم منهما كثيرون. ولم ينجو كلّ منهم - بسبب ذلك - من سخط وغضب مشركي قريش وزعمائهم أبي جهل وشركائه، ونقمة بني مخزوم الذين تولوا تعذيبهم، وأنزلوا بهم ألوان العذاب وصنوفه. باءت كلّها بالفشل، ولم تنل من صمودهم، ولم يحصل الطغاة إلّاشيئاً أباحه عمار.
وكان ذلك الصمود كلّه والثبات كلّه بسبب عمق العقيدة في نفوسهم ومكانتها في قلوبهم. وكانت لزيارة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله لهم في الأبطح ودعائه وأقواله لهم دور كبير في ذلك الثبات «صبراً أبا اليقظان، صبراً آل ياسر. . . فإن موعدكم الجنة» . .
لقد كانت صدورهم وصدور مَن معهم كصهيب وبلال وخباب. . . أقوى من الحجارة الرمضاء الملتهبة بحرارتها، وكانت أجسادهم أقوىٰ من مكاوي النار التي ينزلونها عليهم، ومن دروع الحديد التي ألبسوها لهم وصهروهم بالشمس، وأصبر من كلّ شيء حتىٰ بلغ الجهد منهم كلّ مبلغ، ففارقت روح سميّة الدنيا ونالت بذلك وسام أول شهيدة في الإسلام لم يسبقها أحدٌ الىٰ هذا الوسام من الرجال أو النساء 1. بعد أن ربطت بين بعيرين وطعنها أبو جهل رأس الشرك والنفاق بحربة في قُبُلِها فقتلها. وقتل بعدها زوجها، فكان هو الآخر أول شهيد من الرجال عرفته الساحة الإسلامية يومذاك.
لقد كان عمار وأبوه وأمّه قوماً من