236يكوننّ أهل الضلال إلى باطلهم والركون إلى سبيل الطاغوت أشد اجتماعاً منكم على حقّكم هذا، فإنّهم قد بدؤوكم وإخوانكم بالغزو، فاعجلوا إليهم بالمواساة والنصر؛ عباد الله، إنّ مصر أعظم من الشام، أكثر خيراً، وخيرٌ أهلاً، فلا تُغلبوا على مصر، فإنّ بقاء مصر في أيديكم عزّ لكم، وكبتٌ لعدوّكم، اخرجوا إلى الجرعة بين الحيرة والكوفة، فوافوني بها هناك غداً إن شاء الله» .
قال: فلمّا كان من الغد خرج يمشي، فنزلها بكرةً، فأقام بها حتّى انتصف النهار في يومه ذلك، فلم يوافه منهم رجل واحد فرجع، فلمّا كان من العشيّ بعث إلى أشراف الناس، فدخلوا عليه وهو حزين كئيب، فقال:
«ألحمد الله على ما مضى من أمري، وقدّر من فِعلي، وابتلاني بكم أيّتها الفرقة ممّن لا يطيع إذا أمرتُ، ولا يُجيب إذا دعوتُ، لا أباً لغيركم! ماتنظرون بصبركم، والجهاد على حقّكم! الموت والذلّ لكم في هذه الدنيا على غير الحقّ! فوالله لئن جاء الموت - وليأتين - ليفرقنّ بيني وبينكم وأنا لصحبتكم قال، وبكم غير ضنين، اللهِ أنتم! لا دين يجمعكم، ولا حميّة تحميكم، إذ أنتم سمعتم بعدوّكم يَرِدُ بلادكم، ويشنّ الغارة عليكم، أو ليس عجباً أنّ معاوية يدعو الجفاة الطغاة، فيتبعونه على غير عطاء ولا معونة، ويجيبونه في السنة المرّتين والثلاث إلى أيّ وجه شاء، وأنا أدعوكم - وأنتم اُولُوا النهى وبقيّة الناس - على المعونة، وطائفة منكم على العطاء، فتقومون عنّي وتعصونني، وتختلفون عليَّ؟» .
فقام إليه مالك بن كعب الهمداني، فقال: يا أميرالمؤمنين، اندب الناس فإنّه لا عطر بعد عروس، لمثل هذا اليوم كنت أدّخر نفسي، والأجر لا يأتي إلاّ بالكرّة، اتّقواالله وأجيبوا إمامكم، وانصروا دعوته، وقاتلوا عدوّه، أنا أسير إليهم يا أمير المؤمنين.