169قال في الباب الخامس: وبعد هذه المنزلة قُبيل قاع البَزْوَة شِق في جبل هناك على يمين الذاهب إلى مكة المشرفة، فُتِن العوام به يزعمون أن سيدنا رسول الله (ص) صلى فيه، وليس لذلك أصل.
ومررت به سنة تسع وأربعين وسبعمائة قبيل طلوع الشمس، فرأيت فيه زحمة، ورأيت النساء مختلطات بالرجال، وهو يصلون به في هذا الوقت المكروه، فسألتُ بعضهم عن صلاته؟ فقالوا: تحية البقعة! فنهيتم عن ذلك، وحذرتُهم من العَوْد إليه. . . 1أما الفقه فقد طلبه وحصّله من أئمة زمنه، واشتغل فيه تدريساً كما مر، وتصنيفاً، وتخريجاً لأدلته، قال ابن رافع: (جمع شيئاً على المهذب، وعمل المناسك الكبرى، والصغرى، وخرّج أحاديث الرافعي، وتكلم على مواضيع من المنهاج) . 2وهذه كلها في الفقه، فكيف يكون غير ماهر فيه، وله كل هذا الاشتغال به.
بل إنّ الإمام عزالدين بن جماعة لم يقتصر على الفقه الشافعي الذي تخرّج فيه، حتى تَجاوزه إلى سائر المذاهب الأربعة وأدلتها، وهذا كتابه (هداية السالك إلى المذاهب الأربعة في المناسك) خير وثيقة، وأقوى برهان على رسوخه في المذاهب الأربعة، وإحاطته بمصادرها، ومعرفة رجال الفتوى في كل مذهب منها، مما لا يمكن أن يصدر إلاّ عن فقيه عميق المعرفة، دقيق التمييز، ليس في مذهب واحد فحسب، بل في كل المذاهب المعمول بها في الأمصار الإسلامية. . .
وفاته: كان الإمام أبوعمر عزالدين عبدالعزيز بن جماعة قد بلغ من العمر لدى استقالته من القضاء اثنتين وسبعين سنة، فخلّى نفسه للعبادة والحج والزيارة، لتوافيه منيته في السنة التالية، وهو على أحسن حال وأكمله.
قال الحافظ ابن حجر: وحج القاضي عزالدين من سنته وجاور إلى أن مات في السنة المقبلة، وكان يقول: أتمنى أن أموت في أحد