122
عمر الأطرف بن الإمام علي بن أبى طالب (ع) و رواياته في الحديث و الآثار
توطئة
أنتجت عقود الإسلام الأولى أحداثاً جساماً، تركت بصماتها الواضحة على مسار الأحداث المتلاحقة والمتسارعة في العقود التي تتابعت على الأمة، بعد التحاق نبيها محمد (ص) بالرفيق الأعلى.
تحُرِّك هذه الأحداث وتؤثر في مجرياتها مجموعة من الشخصيات التي عاصرتها وكانت صاحبة القرار فيها، وربما يبرز حدث ما من تلك الحوادث، فيصعّد شخصية إلى مسرح الأحداث لم تكن من الشهرة بمكان سوى الحدث الذي اقترنت به، فتكون مادة يسلّط المؤرخون فيها الضوء على دور هذه الشخصية ومساهماتها، وتترك شخصيات أخر انتهجت الهدوء والإنزواء مسلكاً في حياتها، أو لم يقيض لها القدر دوراً حتى تؤثر في مجريات حوادث عصرها ما دامت تمتلك المؤهلات لذلك من النسب الرفيع والعلم والوجاهة، وربما كانت شهرة الشخصيات التي زامنتها قد جعلت من الرواة والمؤرخين يغفلونها أو يقصروا من حيث تسليط الأضواء عليها.
كانت شخصية عمر بن الإمام علي بن أبي طالب (ع) ، من بين الشخصيات التي لم يوف المؤرخون القدامى - ولا حتى المحدثون من الباحثين - حقها من الدراسة والتحليل، لما تبدو للقارىء لسيرتها لأول وهلة إنها شخصية لاتستحق إفراد دراسة مستقلة لها؛ لأن دورها ليس بمؤثر في أحداث عصرها، فضلاً عن قلة الأحاديث والروايات المنسوبة لها والمسندة إليها، وذلك قياساً بأقرانه من رجالات عصره ممن هم في طبقته ونسبه، وكما صوّرت ذلك النصوص والأخبار التي تناقلتها المصادر عنه، والتي توحي للمطلع عليها أنها قد لاتكوّن بمجموعها صورة واضحة عن خلجات هذه الشخصية والظروف التي ساعدت على تنشأتها - وهذا ما أردنا إثبات عكسه - أو أن هذه الشخصية قد تباينت مواقفها من الأحداث التي عاصرتها لدرجة عدم الإسهاب في ذكر أخبارها، أو أن ما آثرته من حياة الدعة والسكينة طيلة حياتها، قد أخرجتها بذلك عن دائرة الضوء لتكون أشبه بالمتفرجة على مسار الأحداث دون اتخاذ مواقف صارمة وحازمة منها، أو حتى تشكيل حلقات موسعة للدرس والحديث في المسجد، يجعلها مقصداً لطالبي العلم.
كل ذلك، دفعني إلى تقليب صفحات المصادر والمظان، لكي أجمع ما تناقله الرواة من أخبار عن شخصية عمر الأطرف، وأدرس الأسباب التي حالت وراء المسلك الذي اختطه في حياته تلك، والعلاقة التي كانت تربطه بأفراد البيت العلوي من إخوته وأولادهم، ومن ثم الوقوف على ما رواه من أحاديث وروايات حفظها عن أبيه الإمام علي (ع) ، وما أسهم به من دور إزاء الحوادث التي عاصرها بدءاً من صغره حين كان في كنف والده (ع) ، وحتى وفاته بعد أن تجاوز الخمسة والسبعين عاماً على أقل تقدير؛ ممن حدد عمره من المؤرخين بهذه المدة، حتى أضحى آخر من توفي من أولاد الإمام علي (ع) .
ومن ثم فمن المستبعد أن تكون مثل شخصية عمر الأطرف بن الإمام علي (ع) ذات العمر الطويل هذا - قياساً بباقي إخوته - من الشخصيات الهامشية في التاريخ الإسلامي، وذلك من حيث صلته الوطيدة بالشخصيات الفاعلة في أحداث العقود الستة التي أعقبت وفاة الرسول الأكرم (ص) ، من أبيه الإمام علي (ع) خليفة المسلمين وزعيمهم، إلى أخوته الذين ذاع صيتهم (الحسن والحسين (عليهما السلام) ومحمد بن الحنفية) ، فضلاً عن اغترافه للعلم من الينابيع الفكرية الرئيسة للإسلام بكونه من أولاد علي (ع) ، ذلك الشخص الذي تمثل الإسلام فكرة وسلوكاً، وفوق كل ذلك كونه أحد أولاده الخمسة الذين استمر عقبه منهم، وما تركه من ذرية وأحفاد أسهموا في إشاعة ورواية الأحاديث والأخبار التي رواها جدهم عمر عن أبيه علي (ع) من جهة، إلى روايتهم عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وتبنيهم للخط الفكري والعقائدي الذي سلكوه من جهة أخرى، ثم ما لعبته