290فإذا وصل بهذه الحال إلى مكة، وصل بنفس خاشعة ضارعة باكية آسفة، فيجد الضالة التي ينشدها، والفرصة التي يغنمها وهي الكعبة، فيطوف بها داعياً مستغفراً، مهللاً مكبراً، مؤمناً بأنه في أكرم مكان عند الله، فيه تقبل التوبة وتغفر الذنوب .
وإذا انتقل من الطواف بالكعبة إلى السعي بين الصفا والمروة، كرر دعاءه واستغفاره. وإذا وقف بعرفات، وذكر وقفة الرسول(ص) بحجة الوداع يخطب خطبة الوداع، وواجه جبل الرحمة .. هنالك تفيض العين بالدمع، وينبض القلب بالتوبة، ويلهج اللسان بالاستغفار، واعتقد أنه نال رضا ربه، وخرج من ذنوبه، وانتصر على هواجس نفسه، ووساوس الشيطان، فيرمز لهذا الانتصار برمي الجمرات، ويعود من مناسك الحج، وقد ألقى أوزاره، واعتقد أن الله قد غفر له .
هذه المعاني الروحية والرياضة التهذيبية لمناسك الحج تقتضي من كل حاج أن يفكر فيها، وأن يعمل على تحقيقها، فإن الشارع الحكيم ما شرط الإحرام لمجرد أن يكشف الإنسان رأسه، وأن يتجرد من ثيابه، وما فرض الطواف لمجرد أن يدور بأحجار، ويتمسح بأستار، وما أوجب السعي بين الصفا والمروة لمجرد أن يجري عدة أميال، ولا فرض الوقوف بعرفة لرحلة جبلية، وإنما شرع هذا سبحانه لإصلاح نفسي، ورياضة تهذيبية .
وعلى الحجيج أن يتركوا كل ما يلهيهم ويبعدهم عن التفكير في حكمة تشريع الحج وما يراد فيه من إصلاح النفوس، وليعلم الجميع أن الله سبحانه ما قصد بأية عبادة من العبادات مجرد صورها وأشكالها، وإنما قصد حكمها وروحها وآثارها في