193والنتيجة التي نخرج بها من مطالعة الآية هي دلالتها على حكم جهاد أهل البغي بالمفهوم العام للبغي، وذلك ضمن مسلسل الخطوات والغايات التي طرحتها، فالاستدلال بهذه الآية على جهاد أهل البغي تام، كما هو تام على مبدأ الإصلاح بين المسلمين.
وانطلاقاً من ذلك كلّه، نعرف أنّ القرآن الكريم لم يؤسّس لأيّ صراع في الداخل الإسلامي، إلا إذا صدق عليه عنوان البغي بالشكل الذي بيّناه، هادفاً من ذلك حماية الفريق المظلوم في الأمّة، أيّ فريقٍ كان، ورغبةً منه في قلع مادّة الانقسام والتمزّق والتمرّد والتعدي، وهذا المبدأ عقلانيّ لا يتعارض مع الأصول السابقة التي أصّلها القرآن نفسه، بل يمكن الجمع بينه وبينها في مثل مبادئ الرحمة الإيمانية والألفة القلبية؛ بأنّ آية البغي طلبت مقاتلة البغاة، لكنّها لم تطلب الغلظة والحقد والكره لهم، فيمكن أن يريد القرآن محاربة البغاة رأفةً بهم ومحبّة، كالطبيب المجبر - حبّاً بالمريض وإرادة خير به - أن يخضعه لعملية جراحية، ولعلّ في سيرة الإمام علي في حرب الجمل وأسلوبه الرحيم في التعامل مع أهل البصرة، وكذلك في بعض خطب الإمام الحسين في كربلاء.. ما يؤكّد إحساس الرحمة مع هؤلاء الذين يواجههم رغم ما فعلوه به وبأهل بيته، وهذا أشبه شيء بكلام ابن حزم الأندلسي - بعد ذكره آية: رُحَمٰاءُ بَيْنَهُمْ عند حديثه عن حدّ القذف -: «وقد أمر مع ذلك بإقامة الحدّ على من أمرنا برحمته» 1.
هذه خلاصة موجزة ومدخل متواضع لقراءة أبرز أصول العلاقات الإسلامية - الإسلامية في القرآن الكريم.