164يفرّق أمر بني إسرائيل، وأن هارون كان يريد مواجهتهم لكنّه لم يكن قادراً على حسم الموقف لصالحه واقتلاع أساس الفتنة، وكأنّ موازين القوى بين جماعته وجماعة السامريّ كانت متعادلة أو كان أضعف منهم، سيما حسبما تشير إليه الآية الأخرى: إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كٰادُوا يَقْتُلُونَنِي.. 1.
من هنا، قدّم هارون وحدة بني إسرائيل على دعوتهم للحقّ، ولم يشأ إيقاع الفُرقة بينهم رغم ضلالهم، وهذا تعبير ظريف عن ترتيب الأولويات ترتيباً دقيقاً. وهذا في الجملة ما أقرّ به غير واحد من المفسّرين المسلمين 2.
واللطيف أننا لو ضممنا هذا الحدث إلى أمر موسى لهارون لما استخلفه على القوم، لوجدنا القرآن يعبّر عنه بقوله: وَ قٰالَ مُوسىٰ لِأَخِيهِ هٰارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لاٰ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ 3... ولفهمنا أنّ عدم تفريق بني إسرائيل هو حُسن خلافة وإصلاح وعدم اتّباع لسبيل المفسدين، أو لا أقلّ يصدق عليه واحدٌ منها، مما يعني أنّ الحفاظ على وحدة الأمّة إصلاحٌ في الأرض وعدم إفساد، وهو حُسن إدارة للمجتمع وللمؤمنين؛ ولهذا كان من الأولويات الكبرى في تسيير أمور الأمة؛ فإذا لم يتمكّن الفريق المحقّ من قلع أساس الفتنة والانحراف فعليه أن يواجهه بطريقة لا تؤدّي إلى إحداث الفرقة والانقسام، وهذا بالضبط ما فعله هارون مع قوم موسى.
3- مبدأ وحدة الأمة
وتشير إلى هذا المبدأ القرآني الآيات التالية:
1 - إِنَّ هٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وٰاحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ * وَ تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنٰا رٰاجِعُونَ 4.