235فخرج رؤساء مكّة وأتباعهم من مكة لئلاّ تتأثر نفوسهم بما يرونه من عزة المسلمين والكيفية التي يؤدون بها مناسك عمرتهم. . .
ومع هذا ظلّ جمع منهم - رجالاً ونساءً وأطفالاً - مجتمعين على سطوح مكة وتلالها القريبة من المسجد وفي الطرقات المؤدية إليه وحول الكعبة ليشاهدوا رسول اللّٰه محمداً صلى الله عليه و آله وقد عاد إلى مدينته بقوة وانتصار في تظاهرة المسلمين الذين يحيطون به. . فعاملهم بلطف ومحبة وحنين من جهة، ومن جهة أخرى أمر المسلمين أن يسرعوا أثناء الطواف وأن يزيحوا الإحرام عن أكتافهم قليلاً لتبدو علائم القدرة والقوّة فيهم وأن تترك هذه الحالة في أفكار أهل مكّة وأنفسهم تأثيراً كبيراً ودليلاً حيّاً على قوة المسلمين وحكمتهم!
وعلى كلّ حال، فإنّ «عمرة القضاء» كانت عبادة، كما كانت في الوقت ذاته عَرضاً «للعضلات المفتولة» ، وينبغي القول: إنّ «فتح مكّة» الذي تحقّق بعد سنة أُخرى كانقد نثربذره فيهذه السنة وهيّأ الأرضية لاستسلام أهل مكّة للفاتحين (المسلمين) .
وكان هذا الأمر مدعاةً لقلق رؤساء قريش إلى درجة أنّهم بعثوا رجلاً بعد مضي ثلاثة أيّام إلى النّبي يطلب منه أن يغادر بسرعة هو وأصحابه مكّة طبقاً للمعاهدة. . .
ومن الطريف هنا أنّ النّبي تزوّج أرملةً من نساء قريش وكانت من أقرباء بعض رؤسائهم المعروفين، وذلك ليشدّ أواصره بهمويخفّف من غلوائهم وبغضائهم.
وحين سمع النبي اقتراحهم بالمغادرة قال: «ما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم فصنعنا لكم طعاماً فحضرتموه» . قالوا: لا حاجة لنا في طعامك فاخرج عنّا.
ولو كان تمّ ذلك لكان له أثره في نفوذ أمر النّبي في قلوبهم، غير أنّهم لم يقبلوا ذلك منه. . . 1.