213- لأن موقع الكعبة والمسجد الحرام منخفض بل في أخفض مكان في مكة، ترتفع الجبال من حوله، وتأتيه السيول من كل جانب، فلو أن المشركين نفذوا مخططهم لقضوا عليهم. .
- ولأن المسلمين عزَّل، فقد اشترط عليهم أهل مكة أن لا يأتوا بسلاح إلا سلاح المسافر، السيوف في القراب. . ثم ليس هناك موالٍ قريب ليمدّ المسلمين بالمدد، والرسول صلى الله عليه و آله كان قد جاء بالسلاح معه، وتركه في العيس، وترك حراساً عليه، ولكن لو انقضّوا عليهم فلن يجد المسلمون وقتاً ليأتوا بالسلاح!
- وهنا أمر مهم، وهو ما كان يعتقده المشركون فيزيد في معنوياتهم: أن المسلمين ضعاف وأنهم أصابهم الهزال والضعف من آثار حمّى يثرب، وهذا كان أمراً معروفاً في الجاهلية، فقد كانوا يعتقدون في الجاهلية أن من دخل المدينة تصيبه الحمى، فإذا أراد أن يسلم من الحمى فعليه أن يقف عند بابها وينهق ثلاث مرات، فإذا ما نهق ثلاث مرات في اعتقادهم فإنها تشرد عنه الحمى، إذن الحمى كانت مشهورة عندهم، ويقول العلماء المتأخرون: هذا أمر طبيعي؛ لأن المدينة كانت مليئة بمياه السيول، وكانت العيون تفيض على وجه الأرض، فينتج عن ذلك غدران ومستنقعات الماء، ومستنقعات الماء في العالم إنما هي حواضن للبعوض، والبعوض هو الذي يسبب الحمى وينقلها. إذاً كانت المدينة موطناً طبيعياً للحمى.
أروهم اليوم من أنفسكم قوة
فكان الحلّ من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله أنه أخبر المسلمين بتآمر المشركين مع الشيطان. . بعد أن جاءه جبريل عليه السلام وأخبره أن المشركين قد تآمروا بكذا وكذا. .
وانطلاقاً مما يتمتع به صلى الله عليه و آله من فكر ثاقب، ونور النبوة، قال لأصحابه:
إن المشركين تآمروا عليكم بكذا وكذا بسبب كذا، فأروهم من أنفسكم اليوم قوة، يعني: اقلبوا عليهم ظنّهم، كما يقال: اعكسوا عليهم الفكرة، فهم يقولون: إنكم ضعاف بسبب الحمى، وإنكم منهكون بسبب طول السفر من المدينة إلى مكة، فإذا رأوكم كذلك فإنهم سيطمعون فيكم ويتحقق فيكم القول، ولكن اعكسوا عليهم