208دونوه ، وصفا لها ولما تحمله من عطاء دائم لا يعرف النضوب ، وما ينبغي لنا أو يجب علينا القيام به إزاءها ، وهو أن نعي ما نفعل وأن نفقه ما نؤديه من مناسك؛ لأن الجهل فيها يعدّ منقصة في أدائها وفي معرفتها والاستزادة من أجرها وثوابها إن لم أقل خيانة لها .
وهذه صفحات قرأتها تتوفر على وصف رائع جميل للحج فرضاً ، وللحج موقعاً ، وللحج أهدافاً ، وللحج ثماراً ، وأيضاً تتضمن موقفنا كيف يجب أن يكون وبأيّ شي يجب أن يتصف؟ . . لتكتمل الصورة التي بها يكون صلاحنا وخلاصنا ورشدنا ونجاتنا بل وحياتنا في الدنيا والآخرة باستجابتنا الرائدة والواعية :
«يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّٰهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذٰا دَعٰاكُمْ لِمٰا يُحْيِيكُمْ . .»
* الوعي أمر ضروري ، وهو أول قراءتي فكل شيء لا شيء إذا لم يكن الوعي حليفه وأساسه ، ولا بد من مرافقته لنا ونحن نتعبد اللّٰه تعالى في هذه الأماكن المقدسة التي تتم فيها شعائر الحج ، إذ فيها ربط بين الماضي والحاضر ، واستشعار لعمق هذه الشعائر التي نذهب إليها فهذه الأماكن وتلك الشعائر تحمل معاني عميقة ودلائل عظيمة ، فعندما يذهب أحدنا إلى العقبة مثلاً لرمي الجمرات فعلينا أن نعي ونفهم أن هنا تمت بيعة العقبة التي كانت نواةً للدولة الإسلامية الأولى ، وكانت بمثابة جمعية تأسيسية لإقامة الدولة المنشودة .
وقال النبي صلى الله عليه و آله لمن كانوا في هذا الموقع «اختاروا منكم اثني عشر نقيبًا» .
وهذا مبدأ للشورى والاختيار والاقتراع ، وبه وُلِدَت أولى المؤسسات الدستورية في الدولة الإسلامية ، وفي الغالب فإن الناس يهتمون ويتذكرون مكان أول برلمان ، فالناس يذهبون إلى اليونان ويقولون : هنا كانت أكاديمية أفلاطون ، وهنا كان سقراط يلتقي بتلاميذه ، فهذا معنى المكان ، فما بالك بالمكان «مكة» الذي انطلقت منه كلمة لا إله إلا اللّٰه محمد رسول اللّٰه ، وما بالك بالمكان «المدينة» الذي أُسِّسَت به أول دولة إسلامية يرعاها رسول اللّٰه والمخلصون من أتباعه ومريديه ؟!