264رسولاللّٰه صلى الله عليه و آله حين هاجر من مكّة، ورحل صلى الله عليه و آله من قباء إلى المدينة، فبعد أن اقتربت قافلته صلى الله عليه و آله من تخوم هذه البلدة الطيّبة، وطأت قدماه الشريفتان أرض المدينة مهاجراً، وراحت تحييه بدءاً بسعيفات نخلها التي استقبلته بظلالها الوارفة، ومروراً بقلوب أهلها التي راحت هي الاُخرى تستقبله بأفضل ما يتلقّى به مقبلٌ، وتطلّعت عيونهم إليه، وفتحت له أفئدتهم. . . وانتهاءً ببيوتها التي أشرعت أبوابها. .
وحسب هذا الأنصاري بذلك فخراً وشرفاً وكرامة. . .
دعوها إنّها مأمورة!
فقد راح رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يصوّب ناظريه إلى حيث المكان الذي عيّنته السماء لتبليغ دعوتها وحمل رسالتها إلى الناس كافّة. . . فشدّ صلى الله عليه و آله رحاله عبر صحراء محرقة ملتهبة ورياح مغبرة تلفح وجهه الشريف. . . وعبر هضاب صعبة وصخور صمّاء ووديانٍ جافّة. . . حتّى اقتربت قافلته صلى الله عليه و آله من تخوم يثرب. . . إنّها معاناة شاقّة وتعب مرير. .
علت وجهه المبارك ابتسامة وهو يلمح معالم هذه البلدة الطيّبة. . وسرعان ما ينظر خلفه - حيث مدينته التي ولد ونشأ بين هضابها وجبالها ولصق بها، وتعلّق قلبه بحبّها، يودّعها بدموعٍ منهمرة وفؤادٍ حزين. . .
هاهي يثرب، وها هو النور قد قدم، وها هي الجموع عند ثنيّات الوداع، وقد أحاطت برسول اللّٰه صلى الله عليه و آله من كلّ جانب، يتسابقون للترحيب به، ولخدمته وضيافته. كم هي اُمنية عظيمة عاشت في نفوسهم جميعاً صغيراً وكبيراً أن يحلّ هذا المهاجر الكريم بين ظهرانيهم؟ ! ومَن هو صاحب الحظّ الأوفر الذي ادّخرته السماء ليضع رسول الرحمة رحله عنده؟ !
راحت أصواتهم تعلو وأهازيجهم تملأ ذلك المكان، وقد فتحت له قلوبهم وتطلّعت له عيونهم. . . وراح كلّ واحد منهم يُهلك نفسه اُمنية وحسرة ليتشرّف بضيافة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، وهم يعترضون ناقته، آخذين بزمامها. .