107بسحابة سوداء، تُحيط بالبيت الذي وضع إبراهيم الخليل أساسه. زرعت الحسرة في قلوب كلّ المشتاقين.
كانت المسافة من السور المذكور إلى الكعبة الشريفة (من جهة مقام إبراهيم) نصف مطاف كامل، وغطى السور كذلك حجر اسماعيل بصورة تامة بل وجاوزه الى بُعد ثلاثة أمتار. كان الزحام أشدّ عند باب الكعبة والركن اليماني في الجهة المقابلة، وذلك لوجود رافعة عملاقة نُصِبت هناك أُحيطت بسور بلغ ارتفاعه حوالى (15) متراً، وقد وُضِعَت في الفناء الذي يَلي الرافعة مواد إنشائية مختلفة.
ولايَبعد السور الخشبيّ عن الركن اليمانيّ والكعبة الشريفة إلّاقرابة مترين فقط.
وهكذا لَم تَبِن من البيت العتيق إلّازاوية صغيرة عند ركن الحجر الأسود لا تكاد تَكفي لتَقبيله أو لَمسه.
ولم أكن الوحيد من بين الزائرين لبيت اللّٰه الذي بهُت ودهش بمشاهدته ذلك المنظر الغريب، بل لقد بَهُتَ كذلك كلّ الواردين على المسجد الحرام، وأصابتهم الحيرة والدهشة عند دخولهم إلى ساحته ورؤيتهم ذلك السور الجاثم على أنفاس الكعبة الشريفة كالضباب الكثيف الغليظ. فخيّم عليهم، وأنا منهم، حزن كبير وألمٌ شديد، وظلّ الحزن والألم مصاحبَين لي حتى اليوم الأخير من رحلتي تلك، فكنتُ كمَن يبحث عبثاً عن ضالّته. كنتُ أتمنى أن يُسعفني الحظّ فأبكي ذنوبي عند حائط الكعبة ثم أمسح الدموع بجدارها. ربّ قائل يقول: إنّ هذا الجدار إنّما هو حجارة ولِبن، وهذا صحيح، لكن ما تحمله هذه الحجارة وذلك اللّبن من ذكريات عزيزة ومعانٍ جليلة تتمثل في الإحساس بوجود بصمات مُعظم الأنبياء والأولياء يفوق الحبّ والعشق، ويجعله جديراً بأن يُقَبَّل ويُشَمّ، ولم يكن ذلك في تصوّري، بل وفي تصوّر الجميع، إلّاجُزءاً لا يتجزّأ من العبادة والتّقرّب إلى البارئ عزّوجلّ.
كنتُ وجميع زائري بيت اللّٰه الحرام مُنهمكين طيلة أسبوع بالطواف حول البيت المعمور وإقامة الصلاة وتلاوة القرآن، وذلك بالطّبع بعد الانتهاء من أداء