105إنّ عظمة الكعبة المشرفة وبهاءَها، والأروقة البديعة المحيطة بالمسجد الحرام، ومقام إبراهيم وحجر إسماعيل، والميزاب الذهبيّ المُشرِف من سطح البيت العتيق، . . . كلّ واحد من تلك المشاهد المقدسة والمعالِم الطاهرة تنبئ بالجلال والعظمة، وتأسر فؤاد أيّ ناظر إليها لا محالة، ومهيّجة في نَفس الملهوف عليها ذكريات تأريخيّة خالدة، لا يمحوها الزمن ولا تغيّرها الأيام. لكن أكثر ما يُلفت النظر في ذلك المكان المهيب، هي حالة المناجاة التي تعتري الزائرين المجتمعين في تلك البقعة المقدسة الوافدين من كلّ الأصقاع والأمصار، الحافّين بالكعبة المشرفة كالفَراش الذي يحيط بالسراج.
وما أروع نشيد «لبّيك» وهو ينطلق من حناجر ملايين المؤمنين المُلبّين دعوة إبراهيم خليل اللّٰه، وهم يرسمون أجمل لوحة وأبهى صورة، رغم اختلاف ألوانهم وتعدّد ألسنتهم وتفاوت قوميّاتهم، طائفين حول الكعبة الحبيبة في حركة هادئة وانسجام تامّ! والمسجد الحرام هو الوحيد من بين مساجد الدنيا الذي يحمل في ثناياه ذكرى طواف نحوٍ من ألف نبيّ وصلاتهم فيه 1، وهو المكان الذي تزول عنده الاعتبارات الظاهرية، حيث يقف المَلك والفقير والسلطان والصّعلوك والأبيض والأسود والكبير والصغير جنباً إلى جنب صفّاً واحداً كالبنيان المرصوص، معبّرين بدموعهم وآهاتهم عن أقصى حالات العجز والخضوع والعبودية. إنّه حقّاً لمشهد مؤسر تَصغر دونه المشاهد.
وليت شعري ما بالُ فنّانينا المسلمين الملتزمين لا يحذون حَذوَ باقي فنّاني الشعوب الأخرى. . يقيمون النّصب التذكارية الخالدة لِما خلّفه الأنبياء والصالحون والشهداء والصّديقون، ويحيون طقوسهم وشعائرهم التي وردت في الكتب السماوية المقدسة، ويُفرغون ما بداخلهم من إبداع وآثار فنيّة. . يصوّرون بذلك هذا الطواف الرائع الذي لا يُضاهى والمُعبِّر عن جوهر التوحيد، والذي يروي قصة ماضٍ تليد يمتدّ آلاف السنين في عُمق التأريخ، ويحكي عن ارتباطه بسائر الأديان