289اعتاد المسلمون علىٰ ممارسة الحج ممارسة عباديّة جافّة لا تنعكس لها أيّة آثار علىٰ شخصياتهم وسلوكهم إلّانادراً، كما لم يستغل هذا الملتقى الواسع والشامل لكلّ الشعوب الاسلاميّة - يوماً ما - من قبل المسلمين ولا سيّما العلماء المتواجدين في الحج لطرح القضايا والمشاكل المشتركة بينهم أو التفكير بوضع الحلول المناسبة لها. بل صيّروا منه سفرة سياحيّة لزيارة بيت اللّٰه الحرام وزيارة قبر النبي وآله الأطهار مع الإتيان بالواجبات والمستحبّات المواردة في هذه العبادة فقط. أمّا التدخُّل في الشؤون الإسلاميّة فهو من ضمن الخطوط الحمر التي لا يحقّ للحاج تجاوزها؛ لذلك افتقدت هذه العبادة روحها والغاية من تشريعها.
مفهوم الحجِّ عند الإمام
«إنّ الحجّ هو أفضل ملتقًى للتعارف بين أبناء الشعوب الإسلاميّة. إذ يتعرّف المسلمون علىٰ إخوانهم في الدين من جميع أنحاء العالم، ويجتمعون في ذلك البيت الذي يخصّ جميع المجتمعات الإسلاميّة، وأتباع إبراهيم الحنيف، ويرجعون إلىٰ بيتهم الأوّل من خلال وضع كلّ القوميّات والألوان والعناصر جانباً، ويعرضون على العالم كلّه صفاء الأخوّة الإسلاميّة، وآفاق انسجام الأمّة المحمديّة، من خلال رعاية الأخلاق الكريمة، وتجنُّب الجدل والتمحّلات» .
إنّ الحج عند الامام - مفهوماً - يتجاوز حدود الممارسة العباديّة والطقوس التقليديّة إلىٰ دائرة أوسع. فالحجّ - برأيه - مناسبة نادرة وفرصة ثمينة حيث تلتقي أعداد كبيرة من مسلمي العالم بما في ذلك العلماء والمفكّرون استجابة لأمر اللّٰه - تعالىٰ - لأداء مناسك الحجّ، ومثل هذه الفريضة لا يمكن أن تحقّقها أيّ قوّة اُخرىٰ.
يقول الإمام قدس سره: «اجتماع الحجّ أعظم اجتماع إذ لا تستطيع أيّ دولة أن تخلق مثله، واللّٰه - تبارك وتعالىٰ - أوجده لكي يجتمع المسلمون دون أن تنفق الدول أموالاً طائلة لتحقيق ذلك، ودون مشقّة وتعب، ولكن لا يستفاد من ذلك مع الأسف» .